بد أن يعاقب، ولكن القائلين بهذا لا يحكمون بكفره، ولا بخلوده في النار، وإنما يقولون يعذب عذابًا بقدر شركه، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة.
وأما من قال: إن الشرك الأصغر لا يدخل في الشرك المذكور في هذه الآية، وإنما هو تحت المشيئة، فإنهم يحتجون بقوله تعالى: (( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ ) ) (المائدة: من الآية72)
فيقولون: كما أنه بإجماع الأئمة أن الشرك الأصغر لا يدخل في تلك الآية، وكذلك لا يدخل في قوله تعالى: (( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) ) (الزمر: من الآية65)
لأن العمل هنا مفرد مضاف، ويشمل الأعمال كلها، ولا يحبط الأعمال الصالحة كلَّها إلا الشرك الأكبر.
ويؤيد قولهم أن الموازنة واقعة بين الحسنات والسيئات التي هي دون الشرك، لأن الشرك الأكبر لا موازنة بينه وبين غيره فإنه لا يبقى معه عمل ينفع [1]
ثالثًا: أمثلة الشرك الأصغر وصوره:
الشرك الأصغر قد يكون طاهرًا جليًا، وربما كان خفيًا دقيقًا، كما أنه يكون في الإرادات والنيات، ويكون في الأقوال والأفعال.
-فمن أمثلة هذا الشرك: التطير: وهو التشاؤم بالطيور، والأسماء، والألفاظ، والبقاع وغيرها، فنهى الشارع عن التطير وذم المتطيرين، قال تعالى: (( أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) ) (لأعراف: من الآية131)
وقال صلى الله عليه وسلم:"لا عَدْوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر"وعن ابن مسعود مرفوعًا:"الطيرة شركٌ" [رواه أبو داود والترمذي]
إن التطير سوء الظن بالله تعالى: وتعلق بأسباب موهومة ...
ومن ثم فإن التشاؤم إنما هو في نفس الشخص المتشائم لا في الشيء المتشائَم منه، فوهمُه وخوفه وإشراكه هو الذي يُطيره ويصعده لا ما رآه وسمعه، ولذا لما قال معاوية بن الحكم السلمي
(1) عن كتاب: الشيخ عبد الرحمن السعدي وجهوده في توضيح العقيدة، لعبد الرزاق العباد، حيث نقل هذا الكلام عن قتوى بعثها السعدي للشيخ عبد الرحمن الحصين سنة 1374هـ ص 188، 189، كما ذكر العلامة ابن عثيمين هذا الخلاف، كما هو في كتاب: المجموع الثمين. 2/ 32 - 33.