قضاء حوائجه، وأن يسامحوه في البيع والشراء وأن يوسعوا له في المكان، فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه، ووجد لذلك استبعادًا في نفسه، كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها مع أنه لم يُطلع عليه، ولو لم يكن قد سبق منه تلك الطاعة لما كان يستبعد تقصير الناس في حقه، ومهما لم يكن وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم الله، ولم يكن خاليًا عن شوب خفي من الرياء أخفى من دبيب النمل، وكلُ ذلك يوشك أن يحبط الأجر، ولا يسلم منه إلا الصّدّيقون"أ. هـ. (الإحياء 3/ 305، 306) ."
-وأما ثانيها: فهو أن يجعل الإخلاص لله وسيلة لا غاية وقصدًا لأحد المطالب الدنيوية.
وقد نبّه شيخ الإسلام على تلك الآفة الخفية فكان مما قال: رحمه الله:"حكي أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يومًا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، قال: فأخلصت أربعين يومًا لم يتفجر شيء، فذكرت ذلك لبعض العارفين، فقال لي: إنما أخلصت للحكمة، ولم تخلص لله تعالى"
-ثم قال ابن تيمية:"وذلك لأن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه، أو غير ذلك من المطالب، وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطالب ذلك بإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضًا؛ لأن من أراد شيئًا لغيره فالثاني هو المراد المقصود لذاته، والأول يراد لكون وسيلة إليه، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالمًا أو عارفًا أو ذا حكمة، أو صاحب مكاشفات، وتصرفات ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله؛ بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك المطلوب الأدنى" (الدرء 6/ 66، 67)
-ولذا يقول الشاطبي رحمه:"إن الفاعل للسبب عالمًا بأن المسبب ليس إليه، إذا وكله إلى فاعله وصرف نظره عنه كان أقرب إلى الإخلاص، فالمكلفُ إذا لبّى الأمر والنهي في السبب من غير نظر إلى ما سوى الأمر والنهي في السبب من غير نظر إلى ما سوى الأمر والنهي، خارج عن حظوظه، قائم بحقوق ربه، واقف موقف العبودية، بخلاف ما إذا التفت إلى المسبب وراعاه، فإنه عند الالتفات إليه متوجهٌ شطره، فصار توجهُهُ إلى ربه بالسبب، بواسطة التوجه إلى المسبب ن ولا شكّ في تفاوت ما بين الرتبتين في الإخلاص" (الموافقات 1/ 219 - 220)