فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 117

محض مصيب فيه يؤجر عليه أجرين إن شاء الله .. وهو قطعا وبلا شك من الحكم بما أنزل الله وليس بخارج عنه بحال، إذ هو إعمال لمقاصد الشريعة التي بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - بها، وأنزل الكتاب ووضعت حدود الشريعة من أجل تحقيقها، وهي حفظ مصالح الناس الأساسية الشرعية وتحصيل أعظمها ودرء المفاسد عنها .. وهذه المصالح الشرعية مضبوطة معلومة باستقراء نصوص الشريعة وليست هي تبع للأهواء والاستحسانات كما يتوهمه كثير من الرويبضة السفهاء .. فمنها ما هو ضروري ومنها ما هو حاجي وآخر تحسيني تكميلي).

أما الضروريات فهي ست: (الدين والنفس والعقل والنسب والعرض والمال) وهي أهم المصالح على الإطلاق، وأعلاها وأجلها هو الدين (التوحيد) فإذا ما تعارضت هذه الضروريات أو أحدها مع مصلحة حاجية أو تكميلية قدمت الضرورية بلا خلاف، أما إذا تعارضت مصلحتان ضروريتان فإن التقديم يكون للأهم والأعظم منهما، من باب تحصيل أعظم المصلحتين المتعارضتين بتفويت أدناهما، أو درء أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، وهذا باب عظيم من أبواب الفقه، وهو من أعظم مقاصد شريعة الله وحكمها وقواعدها، ومن وفق إلى فهمه ومعرفته فقد هدي إلى معرفة كثير من أسرار الشريعة وحكمها، وفهم هذا الباب وتطبيقه في الواقع، هو دون شك من أصول الشريعة ومن الحكم بما أنزل الله

ولم يكن اجتهاد عمر رضوان الله تعالى عليه في عام الرمادة إلا من هذا .. فقد قدم مصلحة النفوس وحفظها علي مصلحة المال وحفظها عندما تعارضتا، فقد كان الناس في مخمصة عظيمة والضرورات تبيح المحظورات .. فكان أكل المال المسروق كأكل الميتة في تلك الظروف .. يباح، بل يجب على قول طائفة من أهل العلم إذا تحقق الهلاك، وتاركه في مثل ذلك عاص لله قاتل لنفسه كما يقول ابن حزم، واحتج بقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} ، قال: (وهو عموم لكل ما اقتضاه لفظه) .

فدفع رضي الله عنه قدر ما استطاع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما .. وحافظ على أعظم المصلحتين (أرواح الناس ونفوسهم) بتفويت أدناهما (أموالهم) لتعارضهما في تلك الظروف الخاصة .. وهذا من فقهه رضي الله عنه في دين الله وهو تحكيم لمقاصد الشريعة ومحافظة على مصالحها وضرورياتها التي ما وضعت الحدود كلها أصلا إلا لحفظها وتحصيلها ودرء المفاسد عنها.

ولذا قال ابن القيم رحمه فيه: (وهذا مقتضي قواعد الشرع) فهو إذن حكم بما أنزل الله .. وليس كما يلبس البعض عن جهل أو سوء قصد، وهذا واضح بين .. وشتان شتان بينه وبين الحكم بغير ما أنزل الله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت