فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 117

الفرع الثاني: حكم المتدرج

إذا تبين لنا في الفرع الأول أنّ إرجاء التطبيق ليس تعطيلا، ولا حكما بغير ما أنزل الله .. ففاعل ذلك لا يجوز أن يدرج في خانة الحاكمين بغير ما أنزل الله .. إذ أن تحكيم الشريعة هو ما يدين به القائلون بالتدرج .. وما قالوا به لا يخرج عن الشريعة وأقوال علمائها في حدود قواعد الاستنباط الشرعية .. وما كان من خطأ ليس نابعا من رفض حكم الشريعة، وإنما خطأ في الاستنباط .. وليس ذلك من الكفر .. بل الخطأ والتأويل من موانع التكفير ..

قال ابن تيمية رحمه الله:(فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات واجتناب ما يمكنه من المحرمات: لم يؤاخذ بما يعجز عنه؛ فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار.

ومن كان عاجزا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد ففعل ما يقدر عليه من النصيحة بقلبه والدعاء للأمة ومحبة الخير وفعل ما يقدر عليه من الخير: لم يكلف ما يعجز عنه؛ فإن قوام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر كما ذكره الله تعالى؛ فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله تعالى ولطلب ما عنده مستعينا بالله في ذلك).

وقال رحمه الله عن يوسف عليه السلام: (ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله فإن القوم لم يستجيبوا له لكن فعل الممكن من العدل والإحسان ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك وهذا كله داخل في قوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} ؛ فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما لم يكن الآخر في هذه الحال واجبا ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة، وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرما في الحقيقة وإن سمى ذلك ترك واجب وسمى هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر، ويقال في مثل هذا ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة أو لدفع ما هو أحرم .. وهذا باب التعارض باب واسع جدا لاسيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة .. ) .

كما ينبغي أن يعلم أنه ما كل خطأ ـ على اختلاف مراتب الخطأ في الشرع ـ يؤاخذ المرء به؛ فضلا عن مؤاخذة جماعة المسلمين، وقد يوصف الخطأ بالكفر والبدعة والمعصية مع ارتفاع المؤاخذة عن الفاعل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت