فهرس الكتاب
المفسدة ..
فالنبي عليه - صلى الله عليه وسلم - مع وجود السلطة والقدرة ـ بعد الفتح ـ على الفرض بالقوة، ومع كونهم مسلمين ترك تطبيق الأفضل حتى لا تكون فتنة؛ لأن القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام!.
ثم لما بعد العهد بالجاهلية ولم تعد ثمة مفسدة متوقعة جاء ابن الزبير فهدمها وبناها على قواعد إبراهيم .. فليس المراد بالقدرة الشرعية القدرة على الفعل من غير نظر لعواقبه [1] .
قال ابن أبي العز الحنفي (لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإن كان الفعل ممكنا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية) [شرح الطحاوية] .
وقال أبو الوليد الغزي الأنصاري حفظه الله في فتوى"هل يقيم المجاهدون في الشام الحدود؟": (لكن ههنا أمرا قلما يتنبه الناس إليه؛ ويجب التنبيه عليه، وهو أن المراد بالقدرة على إقامة أحكام الشرع كالحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وغير ذلك؛ ليست هي القدرة على إيقاع الفعل فحسب!، بل المراد القدرة التي يتحقق بها مقصود الشارع من إقامة الحكم، فإن الثلاثة والأربعة مثلا في حكم العادة قادرون على قطع يد السارق؛ أو رجم الزاني، لكن لما كان مقصود الشرع من إقامة الحدود ـ وهو تأمين السبل وردع الناس عن مواقعة نحو هذه الأعمال ـ لا يتحقق بصنيع الآحاد من الناس؛ شرع له حدا من القدرة زائدا على مطلق القدرة على الفعل، يتحقق به مقصوده، ولذا شرط الأئمة رحمهم الله تعالى لإقامة الحد السلطان، لأنه الذي يرتدع به أهل الفساد والإجرام) .
الدليل السابع:
تأخير إقامة الحد على المحدود في دار الحرب خشية لحوقه بالكفار. لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا تقطع الأيدي في الغزو» [أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. وأبو داود، وصححه الألباني: صحيح أبي داود، رقم 3708] ، قال الترمذي رحمه الله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي لا يرون أن يقام الحد في الغزو بحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو؛ فإذا خرج الإمام من أرض
(1) (ـ وقد سبق قول الشاطبي رحمه الله:"النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا ...".إهـ .. كما سبق التنبيه على ضرورة ملاحظة القاضي والمفتي ظروف وأحوال وملابسات ومآلات الواقعة وآثارها .. فالحكم إذا كان يؤدي في مآله إلى الفتنة والفساد على الدين أو الأمة فإن القاضي يتوقى ذلك المآل بالقيود الدافعة له زيادة أو نقصا، أو يعدل عنه إلى حكم آخر .. فلا يستقيم عقلا وشرعا أن تأمر الشريعة بما يؤول إلى المفسدة أو ما تربو مفسدته على مصلحته ..