وإن كان أحدها أرجح من الأخر، فمن فعل المرجوح فقد فعل جائزا.
وقد يكون فعل المرجوح أرجح للمصلحة الراجحة كما يكون ترك الراجح أرجح أحيانا لمصلحة راجحة، وهذا واقع في عامة الأعمال؛ فإن العمل الذي هو في جنسه أفضل قد يكون في مواطن غيره أفضل منه .. وقد يكون العمل المفضول أفضل بحسب حال الشخص المعين ..
وهذا الباب ـ باب تفضيل بعض الأعمال على بعض ـ إن لم يعرف فيه التفضيل، وأن ذلك قد يتنوع بتنوع الأحوال في كثير من الأعمال، وإلا وقع فيها اضطراب كثير) [مجموع الفتاوى 24/ 195 - 198] .
وقد مرّ قول ابن حجر رحمه الله في فوائد حديث بناء الكعبة أن: (الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم، ولو كان مفضولا، ما لم يكن محرما) .
الدليل الحادي عشر: الأدلة العامة الحاثة على التؤدة والرفق.
منها: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل:125]
قال القرطبي رحمه الله:(هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة، فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين.
وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة. والله أعلم) [تفسير القرطبي] .
قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: (فالحكمة إذن: فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي) .
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق» [رواه الإمام أحمد بسند صحيح] ، وزاد البيهقي والبزار: «فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى»
والمنبت هو الذي جد في سفره حتى هلكت راحلته بسببه، فلا هو وصل إلى بغيته وحقق غايته، ولا هو حافظ على راحلته وأبقى عليها.
جاء في التيسير بشرح الجامع الصغير: ("إن هذا الدين متين"أي صلب شديد،"فأوغلوا"أي سيروا"فيه برفق"من غير تكلف ولا تحملوا أنفسكم ما لا تطيقون فتعجزوا وتتركوا العمل،"فإن المنبت"