فصل: نزول الوحي على الصادق الأمين، في لحلاف أم المؤمنين، ورؤيتها لجبريل عليه السلام، وإقراؤه عليها؛ السلام:
من مناقب عائشة العديدة، وخصائصها الحميدة، أن الوحي كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في لحافها، لنزاهتها وطهرها وعفافها ..
فماذا ينقمُ السُّفهاءُ مِنها *** وفي تكرِيمها كُسبَ الرِّهانُ؟
أمَا يكفي ابنةَ الصدِّيق وحيٌ *** تنزَّلَ في اللحافِ لَوِ استبَانوا؟!
أخرج البخاري ومسلم في قصة تحري الناس بهداياهم يوم عائشة رضي الله عنها:"فكلم حزب أم سلمة، فقلن لها: كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس، فيقول: من أراد أن يهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فليهدها إليه حيث كان من بيوت نسائه."
فكلمته أم سلمة بما قلن فلم يقل لها شيئا. فسألنها فقالت: ما قال لي شيئا. فقلن لها: فكلميه. قالت: فكلمته حين دار إليها أيضًا فلم يقل لها شيئا. فسألنها فقالت: ما قال لي شيئا. فقلن لها كلميه حتى يكلمك فدار إليها فكلمته، فقال لها: (لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة) . فقالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله"."
قال الإمام شمس الدين الذهبي رحمه الله:"وهذا الجواب منه دالٌ على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حبه لها، وأن ذلك الأمر من أسباب حُبه لها".اهـ [سير أعلام النبلاء 2/ 143] .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"في هذا الحديث منقبة عظيمة لعائشة، وقد استدل به على فضل عائشة على خديجة .."
ومما يسأل عن الحكمة في اختصاص عائشة بذلك، فقيل لمكان أبيها، وأنه لم يكن يفارق النبي صلى الله عليه وسلم في أغلب أحواله، [1] فسرى سره لابنته مع ما كان لها من مزيد حبه صلى
(1) قال الإمام أبو محمد القحطاني رحمه الله في نونيته:
أوَليسَ والِدُها يُصافي بَعَلَهَا *** وهما بروحِ الله مُؤتَلِفانِ؟!