الحمد لله العليم الخبير الذي أخزى الكفار وفضح المنافقين.
والصلاة والسلام على إمام المتقين محمد بن عبد الله الصادق الأمين وعلى آله الطيبين وأصحابه المجاهدين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد ابتلي المسلمون بأعداء كثر وخصوم مختلفين، منهم الصليبي واليهودي والشيوعي والبوذي ولكن أخطرهم وأشدهم تنكيلا بالمسلمين إنما هم المنافقون من العلمانين ومن رؤوس الضلالة وخطباء الفتنة المخذلين للمؤمنين والمناصرين لأعداء الدين.
ومعهم على طريق الضلالة هذا؛ الشرطة والجيش، والجواسيس والمنتفعون الذين دأبوا على مناصرة الباطل والتفاني في خدمته والدفاع عنه بغض النظر عن نوع كفره وجنس ضلاله.
قال ابن القيم: (رأس مالهم الخديعة والمكر وبضاعتهم الكذب والختر وعندهم العقل المعيشي أن الفريقين عنهم راضون وهم بينهم آمنون {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] ) [مدارج السالكين 1/ 379] .
وبيًن رحمه الله تعالى قبح أثرهم على الأمة وعظم رزيتهم بحق الدين، فقال: (فيالله كم من معقل للإسلام قد هدموه؟ وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه؟ وكم من علم له قد طمسوه؟ وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه؟ وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها؟ ... فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية ويزعمون أنهم بذلك مصلحون، {أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12] ) [مدارج السالكين 1/ 377] .
وقد وصف الله تعالى المنافقين في كتابه الكريم وجلى لنا خبيآتهم وفضح أسرارهم وهتك أستارهم.
"وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة المؤمنين والكفار والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية؛ لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة، لبسوا ثياب أهل الإيمان على قلوب أهل الزيغ والخسران والغل والكفران، فالظواهر ظواهر الأنصار والبواطن، قد تحيزت إلى الكفار، فألسنتهم ألسنة المسالمين وقلوبهم قلوب المحاربين ويقولون: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] ) [مدارج السلكين 1/ 376] ."
"فالكفار والمجاهرون بكفرهم أخف وهم فوقهم في دركات النار، لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله وزاد المنافقون عليهم بالكذب والنفاق، وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى في حقهم: {هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4] ، فإن ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين لهم وهم في الباطن على خلاف دينهم، أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أياما ثم ينقضي ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحا ومساء يدلون العدو على عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل {هم العدو فاحذرهم} ؛ لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوا من الكفار" [طريق الهجرتين 441] .
والمعلوم ان الانسان يحتاج الى معرفة علامات المرض لكي يتسنى له تجنب اسبابه، ويتمكن في الوقت نفسه من وصف الدواء المناسب له، ولولا ذلك ما تمكن الناس من تشخيص الأمراض ولعجزوا عن وصف الدواء لها، وهذا من فضل الله سبحانه على الناس وعموم رحمته بهم.
ومن تمام رحمته - جلت قدرته - أن جعل لمرض القلوب والنفوس علامات يستدل بها على المرض، كما هو حال امراض الابدان سواء بسواء.
قال ابن تيمية رحمه الله: (والمرض في القلب كالمرض في الجسد) [مجموع الفتاوى 28/ 198] .
وقال ابن القيم رحمه الله: (وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر) [مدارج السالكين 1/ 376] .
وللمنافقين علامات تنقسم على قسمين:
الأولى؛ صفات حسية:
وهي علامات لأشخاص معينين، على أن ذكرها لم يرد عبثًا، وإنما خرج لثلاث فوائد:
1)تحذير النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام من أشخاص كانوا يسرون ما لا يرضى من القول والفعل، فكان المؤمنون بحاجة ماسة إلى وصف هيآتهم وتعيينهم ليعرفوا.
ومن ذلك ما رواه السدي ومقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسًا في حجرة من حجراته، فقال: (يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان) ، فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق أسمر قصيرا خفيف اللحية [القرطبي 17/ 304] .
2)عدم الاغترار بحسن المنظر وعذوبة المنطق، فان المنافق إنما يلجأ إلى ذلك ليخدع المؤمنين ويلبس عليهم امره.
قال ابن القيم: (يعجب السامعَ قولُ أحدهم لحلاوته ولينه ويشهد الله على ما في قلبه من كذبه ومينه ... فخذ وصفهم من قول القدوس السلام: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204] ) [مدارج السالكين 1/ 380] .
وهذه الآية نزلت في الأخنس وكان لبقًا حلو المنطق والكلام.
3)الإشارة إلى أن أحد أهم أسباب تشنيع الله تعالى على النافقين أنهم نكصوا عن أداء ما افترضه الله عليهم رغم صحة اجسادهم وقوة أبدانهم.
قال ابن القيم: (أحسن الناس أجساما وأخلبهم لسانا وألطفهم بيانا وأخبثهم قلوبا وأضعفهم جنانا، فهم كالخشب المسندة التي لا ثمر لها قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى حائط يقيمها لئلا يطأها السالكون، {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4] ) [مدارج السالكين 381] .
الثانية؛ صفات معنوية:
وهي القسم الأهم، لأن معرفته تعين المؤمنين على تشخيص عدوهم وتعيينه، وتدعوهم إلى في الوقت ذاته إلى تجنبها والخوف من التلبس بأحدها.
قال ابن القيم: (لهم علامات يعرفون بها مبينة في السنة والقرآن بادية لمن تدبرها من أهل بصائر الإيمان) [مدارج السالكين 378] .
وقال كذلك: (أسروا سرائر النفاق فأظهرها الله على صفحات الوجوه منهم وفلتات اللسان ووسمهم لأجلها بسيماء لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان، وظنوا أنهم إذ كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم راجوا على الصيارف والنقاد، كيف والناقد البصير قد كشفها لكم؟! {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [سورة محمد: 29 - 30] ) [مدارج السالكين1/ 385] .
أهم علامات المنافقين:
1)الكذب: وهو أبرز صفات المنافقين ومصدر مرضهم لأن الكذب - كما قال عنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (يهدي إلى الفجور) .
وذكر ابن القيم تعليلا لطيفًا لهذه النتيجة، ومفاده: أن الكذب يفسد على الإنسان فهمه وتصوره فيقرب في حسه البعيد ويعظم في عينيه الحقير، والعكس فيما مضى صحيح؛ البعيد قريب والحقير عظيم. فالكاذب عكس وقلب الأمور، فقلب الله سبحانه عليه حسه وفهمه، وبالمحصلة تراه يعد المصلح مفسدًا وبالعكس، والباطل حقًا وهكذا ... [انظر؛ الفوائد 224] .
وقال رحمه الله: (الكذب مفتاح النفاق) [حادي الأرواح 59] .
وقال الحسن البصري رحمه الله: (أصل النفاق والذي بني عليه النفاق: الكذب) [جامع العلوم لابن رجب 404] .
2)إخلاف الوعد ونقض العهد: قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: 75 - 77] .
قال ابن كثير: (يقول تعالى؛ من المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لئن أغناه من فضله ليصدقنً من ماله وليكوننً من الصالحين، فما وفًى بما قال ولا صدق فيما ادعى ... ) [3/ 134] .
3)الغدر: وهو الخيانة بعد عقد العهد وإعطاء المواثيق، والغدر قرين الكذب، وأخو إخلاف الوعد؛ ولهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم بينهنً في الحديث المشهور: (آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا واعد أخلف، وإذا عاهد غدر) [البخاري] .
والسبب الجامع بين هذه الثلاثة أنها متلازمة من جهة، وهي أساس النفاق وسبب يؤدي للوقوع في بقية الخصال جهة أخرى.
قال ابن حجر: (ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث؛ أنها منبهة على ما عداها؛ إذ إن أصل الديانة منحصر في ثلاث؛ القول والفعل والنية، فنبه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف) [1/ 112] .
4)تمني نزول المصائب بالمسلمين: وهي من أقبح جرائمهم بعد الكذب والمخادعة، ولإجلها بغضهم الله تعالى ومقتهم.
قال ابن القيم: (يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن، فإن كان لهم فتح من الله قالوا؛"ألم نكن معكم"؟ واقسموا على ذلك بالله جهد أيمانهم، وإن كان لأعداء الكتاب والسنة من النصرة نصيب قالوا؛"ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم، وان النسب بيننا قريب"؟ فيا من يريد معرفتهم خذ صفتهم من كلام رب العالمين فلا تحتاج بعده دليلا، {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141] ) [مدارج السالكين1/ 380] .
5)موالاة أعداء الله تعالى: قال سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم: {بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 138 - 139] .
قال الطبري: (فمن صفة المنافقين، يقول الله لنبيه؛ يا محمد بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر والإلحاد أنصارًا وأخلاء من غير المؤمنين يطلبون منهم العزة والقوة باتخاذهم إياهم أولياء فهؤلاء الكافرون هم الأذلاء فليلتمسوا العزة من عند الله تعالى) [4/ 329] .
وقد بيَن سبحانه أن سبب وقوعهم في موالاة الكفار يعود لجبنهم وخورهم فقال: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة: 52] .
قال الطبري: (فترى يا محمد هؤلاء المنافقين يسارعون في موالاة ومصانعة النصارى، ويقولون؛ إنما نسارع في موالاة هؤلاء خوفًا من دائرة تدور علينا من عدونا) [6/ 279] .
فالمنافقون هم المنافقون قديمًا وحديثًا وما هو قادم من الأيام، وحجتهم - دائمًا - واحدة وسيرتهم متفقة.
فبالأمس القريب والوا الشيوعية والبعثية، واليوم يوالون الصليبية واليهودية، وفي الغد القريب سيوالون البوذية إن كتب لها الظهور.
ولئن سألتهم؛ لماذا تضعون أيديكم بأيدي هؤلاء الكفار؟ فسيقولون؛ ولمن نترك شؤون البلد؟ وهل علينا من تثريب ونحن نتعامل مع الأمور بواقعية؟!
6)التحاكم إلى القوانين الوضعية: قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60] .
قال ابن كثير: (هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع هذا يريد أن يتحاكم في الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله) [2/ 111] .
وقال ابن القيم: (إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين وإن دعوتهم إلى حكم كتاب الله وسنة رسوله رأيتهم عنه معرضين، فلو شهدت حقائقهم لرأيت بينها وبين الهدى أمدا بعيدا ورأيتها معرضة عن الوحي إعراضا شديدا، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61] ، فكيف لهم بالفلاح والهدى بعد ما أصيبوا في عقولهم وأديانهم؟ وأنى لهم التخلص من الضلال والردى وقد اشتروا الكفر بإيمانهم؟ فما أخسر تجارتهم البائرة وقد استبدلوا بالرحيق المختوم حريقا، {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 62] ، نشب زقوم الشبه والشكوك في قلوبهم فلا يجدون له مسيغا، {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 63] ، تبا لهم ما أبعدهم عن حقيقة الإيمان! وما أكذب دعواهم للتحقيق والعرفان! فالقوم في شأن وأتباع الرسول في شأن) [مدارج السالكين 1/ 387] .
7)الفرح بمصاب المسلمين:
قال ابن القيم: (إن أصاب أهل الكتاب والسنة عافية ونصر وظهور ساءهم ذلك وغمهم، وإن أصابهم ابتلاء من الله وامتحان يمحص به ذنوبهم ويكفر به عنهم سيئاتهم أفرحهم ذلك وسرهم، وهذا يحقق إرثهم وإرث من عداهم، ولا يستوي من موروثه الرسول ومن موروثهم المنافقون، {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة:50 - 51] ، وقال تعالى في شأن السلفين المختلفين، والحق لا يندفع بمكابرة أهل الزيغ والتخليط، {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120] ) [مدارج السالكين1/ 384] .
وأخيرا:
إحذر أخا الإسلام والجهاد صفات المنافقين وأعرض عن أخلاقهم الردية عسى أن ترحم وتهدى إلى سواء السبيل.
قال ابن القيم:(فهذه والله إمارات النفاق فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية.
· إذا عاهدوا لم يفوا.
· وإن وعدوا أخلفوا.
· وإن قالوا لم ينصفوا.
· وإن دعوا إلى الطاعة وقفوا.
· وإذا قيل لهم؛ تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدفوا.
· وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا.
فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان والخزي والخسران، فلا تثق بعهودهم ولا تطمئن إلى وعودهم، فإنهم فيها كاذبون، وهم لما سواها مخالفون، {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُون} [التوبة: 75 - 77] ) [مدارج السالكين1/ 385] .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين