الصفحة 7 من 36

ونقل القرطبي رحمه الله ثلاثة أقوال في الذي كان صلى الله عليه وسلم يمتحنهن به وخلاصة هذه الأقوال ما يلي:

1)أنه كان يستحلفها ما خرجت لبغض زوج، ولا رغبةً من أرضٍ إلى أرض، ولا طلبًا لدنيا، ولا عشقًا لرجل من المسلمين، فإذا حلفت على ذلك قبل منها، وهذا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما.

2)أنه كان يمتحنها بشهادة لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهو أيضًا منقول عن ابن عباس.

3)أنه كان يمتحنها بالآية التي وردت بعد آية الامتحان وهي آية المبايعة وهذا ما صرحت به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الحديث المتقدم. [25]

قلت: ولا تعارض بين هذه الأقوال الثلاث وإن كان القول الأخير من القوة بمكان سندًا ومتنًا، ومدار الامتحان كله على تحرير النية والعمل فتكون نية الهجرة خالصة لله تعالى وتكون نفس الهجرة براءة من الكفر وموالاة لأهل الإيمان موالاةً صرفة خالصة لا تشوبها شائبة دنيا ولا هوى نفس ولا رغبة دنيا، وهو المطلوب.

رابعًا: سبب نزول الآية الحادية عشرة:

تقدم معنا أن عمر رضي الله عنه طلق اثنتين من نسائه كنَّ على الشرك فورما نزل قوله تعالى:"ولا تمسكوا بعصم الكوافر" [26] ، قال عروة: أخبرتني عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن، وبلغنا أنه لما أنزل الله تعالى أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بعصم الكوافر أن عمر طلق امرأتين قريبة بنت أبي أمية وابنة جرول الخزاعي، فتزوج قريبةَ معاويةُ بن أبي سفيان وتزوج الأخرى أبوجهم، فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم أنزل الله تعالى:"وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم" [27] والعقَب ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، فأمر أن يُعطى مَن ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللاتي هاجرن" [28] ، قلت: أي لما أنكر الكفار حق المسلمين في رد صداق نسائهم اللاتي يهاجرن إلى الكفار إليهم أمر الله تعالى المسلمين أن يعوضوا من ذهب ماله بهذا الوجه بإعطائه من الصداق الواجب رده إلى الكفار الذين هاجرت نسائهم منهم إلى المسلمين وذلك على وجه العقوبة، والشاهد هنا أن موجبات الولاء والبراء قد تترتب عليها تبعات مادية أو غير مادية تشق على المسلمين فلا يكون ذلك مانعًا من التزام أمر الله بهجر من يجب هجره وتولي من يجب توليه فإن الله هو الغني بذاته والكل مفتقرٌ إليه، ومن خشي العيلة جراء التزام أمر الله فإن الله تعالى متكفلٌ له برزقه وحاجته."

خامسًا: سبب نزول الآية الثانية عشرة:

تقدم معنا في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا امتحن المهاجرة إليه فأقرت بالشرط بايعها، وجاءت أحاديث أخرى تبين مضمون هذه البيعة وأنه ما ورد في هذه الآية من سورة الممتحنة، فعن أم عطية رضي الله عنها قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا:"أن لا يشركن بالله شيئًا" [29] ونهانا عن النياحة .."الحديث [30] ، وكانت هذه الآية تعرف بآية بيعة النساء، وكان صلوات الله وسلامه عليه يعظ النساء ويأخذ عليهن هذه البيعة ففي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم فكأني أنظر إليه حين يُجلِّس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساءَ مع بلال فقال:"يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتانٍ يفترينه بين أيديهن وأرجلهن"حتى فرغ من الآية كلها ثم قال حين فرغ:"أنتن على ذلك"وقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله، لا يدري الحسن [31] من هي، قال:"فتصدقن"وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال" [32] .

هذا ما تيسر عرضه من أسباب ومناسبات نزول آي سورة الممتحنة، ولسوف نرى فيما يلي من مفردات البحث أهمية تدبر هذه الآيات في سياق الفهم التطبيقي الذي تنزلت فيه، وآمل أن ييسر الله تعالى عرض ذلك وبيانه فيما بقي من البحث.

[11] صحيح مسلم - كتاب الإمارة - حديث 1864

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت