الصفحة 35 من 36

لقد تبين لنا من خلال ما تقدم أن سورة الممتحنة هي بحق سورة الولاء والبراء، ولا أقول هذا مبالغةً ولا انتصارًا لما عرضته في بداية البحث وإنما هي النتيجة التي لا يسع المرء إلا أن يسلم نفسه إليها بعد أن استعرضنا مفردات هذه السورة على وجازة ما قدمنا، والشاهد أنه ما من آية ولا جزئية من هذه السورة إلا وهي تصب في بوتقة الولاء والبراء سواءٌ أكان من جهة الاعتقاد أم كان من جهة الأقوال أو الأفعال.

ولسوف أحاول تلخيص أبرز الأمور المستفادة من هذه السورة فيما يلي:

1)إن الولاء والبراء من مسائل العقيدة التي اعتنى القرآن المدني بها بنفس الأهمية التي اعتنى بها القرآن المكي مع تميز القرآن المدني بالتفصيل في الأحكام المتعلقة بمسألة الولاء والبراء.

2)إن معقد الولاء والبراء في الإسلام هو الدين لا غير فلا اعتبار لقرابة ولا لمصالح مادية ولا لروابط الدم والنسل والزوجية، وإنما يجوز أن تعتبر هذه الروابط تبعًا بعد تحقق أصل الموالاة الإيمانية، أما والمرء مقيم على الكفر فلا وشيجة ولا صلة ولا كرامة.

3)ضرورة الاهتمام بتوجيه الناشئة وإرشادهم إلى حسن الاقتداء والتأسي بأحسن خلق الله تعالى وهم الأنبياء والرسل ثم من سار على نهجهم متبعًا غير مبتدع حتى نصل إلى ما وصلوا إليه من الفوز برضوان الله تعالى.

4)فهم مسألة تبعُض الولاء والبراء وأن المرء قد يجتمع فيه إيمان وفجور أو إسلام وفسق أو طاعة ومعصية فيوالى من جهة ما يوافق الحق ويتبرأ من الباطل الذي تلبس به، ولا يجوز الإخلال بأصل الموالاة الإيمانية المستحَق بانعقاد عقد الإيمان المجمل بسبب التلبس بجزئيات خاطئة.

5)حسن الالتجاء إلى الله تعالى والتوكل عليه وعدم شهود ما سواه مع الركون والاطمئنان التام إلى ما عند الله تعالى وأنه خير من الدنيا وما فيها.

6)اليقين بأن الظهور العابر والمؤقت للكفار إنما هو استدراجٌ لهم وتمحيصٌ لأهل الإيمان فلا يغتر أحد بما هم عليه من الباطل فيفرِّط بما هداه الله تعالى إليه من الحق.

7)مراعاة الضوابط الشرعية في التعامل مع صنفي الكفار مسالمين وغير مسالمين فلا يجحف ويَفرط على الأولى بدون وجه حق، ولا يغتر ويسترسل مع الثانية ممنيًا نفسه هواها.

8)عقد النية والعزيمة على الهجرة إلى الله تعالى بالإخلاص وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالمتابعة وتجديد هذه النية والمرابطة عليها حتى يوم الفصل واللقاء.

9)الدخول في بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم على التوحيد والطاعة وتيقن أن الله تعالى غفورٌ رحيمٌ لمن زلت قدمه فندم وتاب وأسرع فأناب، فهذه البيعة هي شعار المسلمين يتعارفون بها ويتوالون عليها ويتناصرون للذب عنها.

10)عدم الاغترار والطمع بما عند الكفار فهم أعداء الله الذين غضب عليهم فباؤوا بخسارة الدارين وحرموا من نعيم الآخرة فموالاتهم غاية الخسران.

11)التنبه والحذر من خرق عقد الولاء والبراء إذ أنه مظنة المروق من الدين ومزلة العبد إلى دركات النفاق والكفر، وملاحظة أن ذلك الخرق قد يكون بالقلب أواللسان أوالجوارح أو جميعها معًا.

هذه أبرز النقاط التي تمحضت في سياق هذ البحث ولقد عرجنا على كثير من الجزئيات التي لا أطيل بتكرارها، والحقيقة إن أحكم وسيلة لضبط مسائل هذه السورة هي العودة إلى تلاوتها بتدبرٍ وإمعان ويقينٍ واستسلام لأمر الله تعالى، نستحضر سياقها وملابساتها ونتعوذ بالله من الشيطان ثم ننكب على آياتها وتوجيهاتها سائلين أنفسنا: أين نحن من هذه الآية، وأين نحن من هذا الأمر والنهي، وأين نحن من هذين الفريقين، وإلى أي الفسطاطين ننتمي؛ إلى حزب الله وأوليائه المنصورين أم أعداء الله وحَربه المغضوبين ...

ختامًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت