رابعًا: مناسبة أسماء الله في خواتيم الآيات
إن المتدبر في آيات هذه السورة يجد - كما يجد في تدبر سائر سور القرآن - مناسباتٍ لطيفةٍ وبديعة بين أسماء الله تعالى التي ذيلت بها الآيات وبين مضمون هذه الآيات، وهذا مما يكسب المعنى قوةً وترابطًا حيث يشير إلى أن هذا التشريع من لدن العليم بخلقه الحكيم في حكمه وتشريعه، وفيما يلي طائفة من هذه المناسبات أذكرها مع بيان جهة المناسبة إن شاء الله:
1)قوله تعالى:"وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل. إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون. لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يومَ القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير" [129] ، يخبر الله تعالى عباده المؤمنين في هذه الآيات بأنه مطلع على تصرفاتهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة كما أنه مطلع على أحوال أعدائهم ودوافعهم الكامنة، ويخبر سبحانه وتعالى أنه يرجئ الحكم والفصل النهائي بين الفريقين إلى يوم القيامة، فكان من المناسب أن يأتي قوله تعالى (والله بما تعملون بصير) كي يطمئن المؤمنون غاية الطمأنينة إلى أن هذه الأوامر والتوجيهات صادرة عمن له كامل العلم والإحاطة والبصر بأعمالهم ومآلهم فلا تتردد في الانقياد لأمره سبحانه وتعالى مع ما فيه من قطع الوشائج مع الخلق.
2)في قوله تعالى:"ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم" [130] جاء اسم الله تعالى (العزيز) و (الحكيم) في غاية المناسبة لمقام الدعاء حيث انقطع المؤمنون عن الخلق ولاذوا بجناب الله تعالى يرومون العزة عنده فهو العزيز بذاته غير مفتقرٍ لغيره، وأقروا له سبحانه وتعالى بتمام الحكمة فيما يختاره لهم من تشريعات وابتلاءات، وقد تقدم الكلام على هذا وإنما أردت التنبيه على هذه المناسبة.
3)في قوله تعالى:"ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد" [131] دفعُ توهمِ حاجة الله تعالى إلى خلقه بل هو سبحانه الغني بذاته والكل مفتقرٌ إليه لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين، فهو غنيٌ بذاته حميدٌ في صفاته وهذا أيضًا في غاية المناسبة للمقام.
4)في قوله تعالى:"والله قدير والله غفورٌ رحيم" [132] فتح باب الرجاء في العفو والمغفرة فالله تعالى هو مقلب القلوب القادر على هدايتها واستنقاذها من الكفر حتى إذا وفق الله تعالى عبدًا من عبيده للإيمان فاضت مغفرته ورحمته سبحانه وتعالى عليه فجبَّ الإسلام ما كان قبله من الكفر وتقلب العبد في نعيم اليقين بعد أن كان حبيس الهم والضيق وظلمة الكفر وريبته، وقل مثل هذا في قوله تعالى في آخر آية البيعة:"فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم" [133] ، فهذا باب المغفرة واسع مشرع لمن أراد أن يخلع الكفر ويتبرأ منه ويتدثر بثوب الإيمان ويتولى أهله فلا تهولنه معاصيه وسابقة كفره فتمنعه من هذا الخير أو تصرفه عنه فإن الله تعالى واسع المغفرة واسع الرحمة، فالمناسبة بين اسم الغفور الرحيم وسياق الآية واضحة جدًا.
5)قوله تعالى:"والله عليم حكيم" [134] مناسب لجملة الأحكام التي وردت في آية الامتحان لا سيما وأن الأمر قد ورد فيها بتقطيع أوصال علاقات قائمة وإنشاء روابط علاقات جديدة مع ما في ذلك من احتمال فوات الأموال والأزواج فكان لا بد من تثبيت قلوب المؤمنين بتذكيرهم بأن هذه الأوامر إنما صدرت من لدن عليمٍ بما يصلح حال خلقه حكيمٍ في اختيار ما يختبرهم ويبلوهم به.
وهكذا تبينت لنا بعض معالم المنهج القرآني الفريد الذي ساهم في ترسيخ معاني السورة وتقرير أحكامها، ولا ريب أن هناك المزيد لمن تأمل وتدبر ولكني أقف عند هذا الحد في هذا المقام حيث تحقق المقصود من إبراز خصوصية منهج هذه السورة الكريمة.
[129] سورة الممتحنة - 1 - 3
[130] سورة الممتحنة - 5
[131] سورة الممتحنة - 6
[132] سورة الممتحنة - 7
[133] سورة الممتحنة - 12
[134] سورة الممتحنة - 10