ثالثًا: تكامل بيان القرآن والسنة
إن السنة النبوية شقيقة القرآن الكريم ومثيلته في الحجية والاعتبار، ولقد قال الله تعالى:"وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحيٌ يوحى" [122] ، وقال صلوات الله وسلامه عليه:"ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" [123] ، وإن سورة الممتحنة تتضمن بعض أروع نماذج التكامل والتوافق بين البيان القرآني والحديثي، ولسوف أعرض النموذجين الذين تمثل فيهما هذا التكامل والذي أدى دورًا مهمًا في تقرير مسائل هذه السورة من خلال هذا البيان التكاملي والتوكيدي لنصوص الوحيين، فنتدبر:
1)النموذج الأول: ويتمثل في مسألة هجرة المؤمنات وردهن إلى الكفار، ولقد تقدم معنا أن أحد بنود العهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش نص على رد من جاء من المسلمين فارًا من قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش، وكان هذا عامًا في الرجال والنساء، ولكن لما كانت ولاية النساء قاصرةً وكان أمرهن بيد أوليائهن، ولما كان الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، نزل الوحي القرآني ليخرج النساء من هذا الحكم الذي تقرر بالسنة بادي الأمر، قال ابن كثير رحمه الله بعد الكلام عن البند السابق في صلح الحديبية:"فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك، وعلى طريقة بعض السلف ناسخة" [124] ، وقال القرطبي رحمه الله تعالى:"أكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشًا" [125] ، فوحي القرآن ووحي السنة يعضد بعضهما بعضًا ويكمل بعضهما بعضًا، ولئن كان الأكثر شيوعًا أن تقوم السنة ببيان إجمال القرآن وتقييد مطلقه وتخصيص عامه، فإن قيام القرآن بمهمة التخصيص هنا له دلالةٌ مهمةٌ على خطورة هذه المسألة من مسائل الولاء الإيماني، والشاهد هنا أن نصوص الوحيين من القرآن والسنة قد تكامل دورها في تحرير هذه المسألة على نحو ما تقدم آنفًا.
2)النموذج الثاني: وهذا النموذج تتجلى فيه المقابلة والموافقة التامة بين نص الوحي القرآني ونص السنة النبوية، تأمل معي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وكان شهد بدرًا وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه:"بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارةٌ له ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك" [126] ، فتأمل بنود هذه البيعة التي بايع الرجال عليها وقارنها ببنود بيعة النساء:"إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله" [127] ، بل إنه جاء في رواية أخرى لحديث عبادة رضي الله عنه:"كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنوا ولا تسرقوا"وقرأ آية النساء .." [128] فهذا صريح في تطابق بنود البيعتين أعني بيعة النساء وبيعة الرجال، وإن هذا التوافق من أجمل ما وجدت من التوافق والتطابق بين القرآن والسنة، وكيف لا وهما إنما يصدران عن مشكاة واحدة!
[122] سورة النجم - 3 - 4
[123] سنن أبي داود - كتاب السنة - حديث 3988
[124] تفسير القرآن العظيم - 117/ 8
[125] الجامع لأحكام القرآن - 57/ 18
[126] صحيح البخاري- كتاب الإيمان - حديث 17
[127] سورة الممتحنة - 12
[128] صحيح البخاري - كتاب التفسير - حديث 4894