ثانيًا: أسلوب المقابلة بين النظائر والأضداد
تكاد تتميز سورة الممتحنة بهذا الأسلوب في عرض المسائل حيث تقرر السورة المبدأ المطلوب ثم تمثل عليه بمثال عملي تطبيقي ثم تزيد الأمر وضوحًا بذكر ضده والتحذير منه، وهذا الأسلوب غاية ما يكون في الحسن والتأكيد حتى لا يكاد المتدبر ينتهي من تدبر السورة إلا وقد ترسخت في قلبه هذه المعاني.
وفيما يلي عرض لبعض نماذج هذه المقابلة:
1)بدأت السورة بالنهي عن موالاة الكفار في موقفٍ خاص كما ورد في قصة حاطب رضي الله عنه، ثم ثنَّت بعرض نموذج تطبيقي من قصة إبراهيم عليه السلام، وكما كان الإنكار في الموقف الأول على سلوك حاطب رضي الله عنه في التولي الظاهر للكفار مع سلامة قلبه تجاه الله ورسوله، كان الاستثناء في الموقف الثاني واردًا على سلوك إبراهيم عليه السلام الظاهر مع أبيه الكافر مع سلامة قلبه صلوات الله وسلامه عليه لله تعالى ومع وجود العذر والتأويل الظاهر كما ورد في غير موضع من القرآن الكريم، والشاهد أن هذا العرض المتزن للأنموذجين قد ساعد على تمييز الحق من الباطل وتحرير موضع الحمد من الذم وموضع التأسي من الاجتناب، وهنا نكتة أخرى دقيقة وهي أن الموقفين قد حصلا مع رسولٍ من أولي العزم في الموقف الثاني ومع صحابيٍ بدريٍ قد غفر الله له ولطبقته في الموقف الأول، ومع ذلك لم يمتنع الإنكار والاستثناء، وهذا يُشعر بفداحة الخطب وجلالة الأمر الذي عرض الموقفان لأجله.
2)عادت السورة بعدئذٍ لتعمم مبدأ التبرؤ من الكفار والكف عن موالاتهم من خلال عرض نموجين متقابلين هما: الكفار الذين (لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم) فأناطت الرخصة بالبر والقسط بهم، في مقابل الكفار الذين (قاتلوا المسلمين وأخرجوهم من ديارهم وظاهروا على إخراجهم) فأناطت التحريم بهم، وهذا في غاية التمايز والوضوح، وكما قيل: بضدها تتميز الاشياء.
3)المقابلة بين الهجرة لله تعالى والهجرة لعَرَض الدنيا، وهذا معروض ضمنيًا في آية الامتحان، بل ليس للامتحان معنى سوى هذا، وهنا نكتة لطيفة وهي أن الهجرة للدنيا لما كانت أمرًا حقيرًا لا يستحق الاهتمام به والسعي له كان مناسبًا ألا يذكر صراحةً في الآية وإنما يُفهم ضمنًا من خلال تحرير الغاية من الامتحان وهي التأكيد على تجريد نية الهجرة لله تعالى وحده، فتأمل.
4)المقابلة بين حُكم الكفار بعدم بعث أمواتهم وبين حكم الله بعدم نيل الكفار شيئًا من ثواب الآخرة ونعيمها، وهذا من باب المعاقبة بجنس العمل، فقوله تعالى في وصف الكفار:"كما يئس الكفار من أصحاب القبور" [120] بيان لما حكم به الكفار زورًا من انقطاع الأمل في عودة أمواتهم وبعثهم ومعادهم ومقابلة هذا الحكم بحكم الله عز وجل عليهم:"قد يئسوا من الآخرة" [121] أي انقطع في حكم الله رجاؤهم من أي خيرٍ أو نعيمٍ ينالونه في الآخرة، وهذا غاية العدل والحكمة.
فهذه بعض المواقف التي قابلت فيها السورة بين الأضداد لتزداد تمايزًا ولا يبقى لمسلمٍ حجةٌ بعد الرسل فالحمد لله أن جعلنا من زمرة المخاطبين بهذا الكتاب العظيم.
[120] سورة الممتحنة - 13
[121] السابق