الصفحة 31 من 36

أولًا: أسلوب التهييج

لقد كان أسلوب التهييج بارزًا جدًا في هذه السورة من خلال عرض جملة من الحقائق وتذكير المؤمنين المخاطبين بها، وهذا الأسلوب القرآني كثيرًا ما يرد في مواطن استنهاض الهمم والإقدام على ما فيه نوع تضحية وبذل في سبيل الله تعالى كمواطن الجهاد ونحوه، ولما كان مدار عقيدة الولاء والبراء على قطع العلائق مع المخلوقين وتجريد العلاقة مع رب العالمين برزت الحاجة إلى استنهاض هذه الهمم للقيام بتكاليف وأعباء هذه المهمة من خلال التهييج الذي ورد في المواضع التالية من السورة:

1)النداء الإيماني: فقد استفتحت السورة الخطاب بنداء أهل الإيمان بأحب الأوصاف لديهم:"يأيها الذين آمنوا"، ذكر ابن كثير رحمه الله أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"إذا سمعت الله يقول (يأيها الذين آمنوا) فارعها سمعك، فإنه خير يؤمر به أو شر ينهى عنه" [112] ، فكأن النداء بهذه الوصف تنبيه للسامع بأن الانقياد للمأمور به والانتهاء عن المنهي عنه من صفات المؤمنين، ومفهوم المخالفة أن ترك المأمور به واقترف المنهي عنه ليس من وصف المؤمنين بل من وصف غيرهم، وكفى بهذا مهيجًا لمن وقرت لا إله إلا الله في قلبه.

2)التنبيه على صفات الكفار المذمومة: فمن هذه الصفات ما هو فيهم بطبيعة الكفر فيكون عامًا ومنها ما هو فيهم بواقع الحال فيكون خاصًا، فمن الصفات العامة التي تستدعي عداوتهم لمجرد حصولها فيهم كونهم أعداء الله تعالى، كما قال تعالى:"عدوي وعدوكم" [113] وهذا يعني أن مجرد وصف الكفر كافٍ للتبرؤ من هؤلاء ومقاطعتهم ناهيك عن منع التودد إليهم، ومن الصفات الخاصة ما كان في كفار قريش في واقع الأمر من مناجزة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين العداء والإخراج من مكة كما قال تعالى:"يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم" [114] ، قال ابن كثير:"هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم لأنهم أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بين أظهرهم كراهةً لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده" [115] ، قلت: وهذا الإخراج وإن كان أول ما حصل من كفار قريش للرسول صلى الله عليه وسلم فإن ينطبق على كل ما يأتي من مواقف الكفار في المستقبل حيث يضطهدون المؤمنين ويشردونهم من ديارهم كما هو واقع الحال اليوم، ولقد تقدم معنا كيف جعلت السورة من هذا الإخراج بل ومن المظاهرة عليه ضابطًا في وصف الكفار الذين لا تحل موالاتهم.

3)بيان حرص الكفار على عدم نيل المسلمين الخير: فلقد زادت الآية مهيجًا آخر حيث قال تعالى:"وودوا لو تكفرون" [116] ، حيث كشف الله تعالى عن باطن هؤلاء وما يُسِرونه من العداوة لينتبه المسلمون على أن العداوة الظاهرة من هؤلاء ليست أمرًا عارضًا وإنما هو ظاهرٌ مطابقٌ لباطن العداوة المتأصل لديهم، قال ابن كثير رحمه الله:"أي ويحرصون على أن لا تنالوا خيرًا، فهم عداوتهم لكم كامنة وظاهرة، فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عداوتهم أيضًا" [117] .

4)التذكير بالآخرة: فالآخرة هي رجاء المسلم، وإن من أسلوب القرآن الحث على التزام الطاعة وهجر المعصية على أمل لقاء الله تعالى على الوجه الذي يرضيه سبحانه وتعالى، ونحن نجد هذا المعنى في قوله تعالى:"لمن كان يرجو الله واليوم الآخر" [118] ، قال ابن كثير رحمه الله تعالى:"وقوله تعالى تهييج إلى ذلك - أي التأسي بإبراهيم عليه السلام - لكل مؤمن بالله والمعاد" [119] .

[112] تفسير القرآن العظيم - 489/ 1

[113] سورة الممتحنة - 1

[114] السابق

[115] تفسير القرآن العظيم - 110/ 8

[116] سورة الممتحنة - 1

[117] تفسير القرآن العظيم- 111/ 8

[118] سورة الممتحنة - 6

[119] تفسير القرآن العظيم - 113/ 8 وما بين معقوفتين من كلامي للتوضيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت