إن سورة الممتحنة من السور التي تتجلى فيها ملامح الوحدة الموضوعية بحيث لا يغيب موضوع السورة عن أي جزء منها، والبديع حقًا هو ذلك التعدد والتنوع الأسلوبي في تقرير موضوع السورة بحيث تأتلف آياتها جميعًا لتنتظم في موضوعها، ولا يخفى على من له أدنى تدبر وتفكر في هذه السورة أن موضوعها يدور حول محور واحد هو محور الولاء والبراء؛ ذلك المحور الذي تدور في فلكه معالم عقيدة التوحيد والذي تتناول السورة على إيجازها كل محاورها الرئيسية حيث حددت معقد الولاء والبراء وموجباته بكل وضوح وإيجاز، كما تناولت معالم الولاء والبراء في الباطن والظاهر حتى يجتمع إيمان الباطن وإسلام الظاهر كما هو الواجب في نفس الأمر.
ويمكن تلخيص معالم الوحدة الموضوعية لسورة الممتحنة في النقاط التالية:
1)ابتداء السورة وانتهاؤها بنفس الموضوع: ألا وهو النهي عن موالاة الكفار مع التهييج على ذلك بشتى أنواع المؤثرات النفسية والدينية كما سنبين لاحقًا إن شاء الله.
2)تناول السورة لبعض معاقد الولاء الأخرى ودحضها وبيان تهافتها وعدم لياقتها بانتماء المؤمن إليها سواء أكانت صلة رحم أو جاه قوم أو مصلحة مال.
3)اهتمام السورة بالتوجيه إلى الأسوة الحسنة في المجال التطبيقي لعقيدة الولاء والبراء كما هو واضح في موقف إبراهيم عليه السلام من قومه مع التنبيه على مواضع الاستثناء من هذه القدوة لُيعلم أن مدار الاتباع على ما وافق الحق ولو كان المتَّبع نبي من أنبياء الله عز وجل ورسول من أولي العزم من الرسل [33] .
4)وضع الضوابط الدقيقة لما استثناه الشرع من جواز التعامل مع فئة مخصوصة من فئة الكفار المتبرأ منها حتى يترسخ في قلوب المؤمنين أن هذا التعامل استثناء من الأصل القاضي بالقطيعة والبينونة ما بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، وهذا من أنفس ما يكون.
5)التأكيد على أن المؤمنين ممتحَنون وأن غاية هذا الامتحان تمحيص ما في قلوبهم حتى يتميز المسلمون في الدنيا بحد أدنى من الأحوال والأقوال يؤمَن معه جانبهم في حماية أمن المجتمع المسلم في حين توكل السرائر إلى ربها، والشاهد أن دعوى الولاء والبراء لا بد لها من حدٍ أدنى من المظاهر السلوكية أقوالًا كانت أم أفعالًا وقد لخصت السورة هذه المظاهر في بنود البيعة كما سنبينه لاحقًا إن شاء الله.
إن الوحدة الموضوعية في سورة الممتحنة لا تقتصر إذًا على التزام السورة موضوعًا واحدًا وإنما هي وحدة موضوعية مع شمولية معجزة في تناول هذا الركن العقدي المهم، بحيث يمكن بدون مبالغة أن نعتمد على توجيهات هذه السورة في تحرير وتقرير جميع مفردات عقيدة الولاء والبراء في ديننا الإسلامي العظيم، ولا أبالغ إذا قلت إنه لو ما أنزل الله تعالى على المسلمين في الولاء والبراء غير هذه السورة من القرآن لكفتهم [34] ، والله تعالى أعلم.
[33] ولا يتوهمنَّ أحد أن أنبياء الله ورسله على شيء من الباطل معاذ الله وإنما المقصود ما صوَّبه الوحي من اجتهاداتهم صلوات الله وسلامه عليهم، فوجب التنبيه.
[34] هذه الصيغة مستعارة من كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى حول سورة العصر.