وقد قال ابن تيمية رحمه الله: وهذا القول أقوى وأفقه، لأنه قد ثبت أن هذا الوقت للصلاتين في الجملة فأورث ذلك شبهة في إسقاط القتل، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم منع من قتل الأمراء المؤخرين الصلاة عن وقتها وإنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر وقد يؤخرون العصر إلى آخر وقتها، ولما قيل له ألا نقاتلهم قال صلى الله عليه وسلم (لا ما صلوا) ، فدل على أن ما فعلوه من صلاة يعصمون بها دماءهم.
وعلى هذا فمتى دعي إلى الصلاة في وقتها فقال لا اصلي وأمتنع حتى فاتت وجب قتله نص عليه الإمام أحمد، وقال القاضي أبو يعلى وابن عقيل: لا يقتل حتى يتضايق وقت التي بعدها، قال أبو البركات ابن تيمية: من دعي إلى صلاة في وقتها فقال لا أصلي وأمتنع حتى فاتت وجب قتله وإن لم يتضيق وقت الثانية.
وهناك عن الإمام أحمد رواية أخرى أنه إنما يجب قتله إذا ترك ثلاث صلوات وتضايق وقت الرابعة، وهذا اختيار الاصطخري من الشافعية، ووجه هذا القول أن الموجب للقتل هو الإصرار على ترك الصلاة، لا مجرد الترك، والإنسان قد يترك الصلاتين لكسل أو ضجر أو شغل يزول قريبا ولا يدوم فلا يسمى بذلك تاركا للصلاة، فإذا كرر الترك مع الدعاء إلى الفعل علم أنه إصرار، وهذا قول ضعيف لأن القتل معلق في الأدلة بالترك لا بالإصرار فتنبه.
وعن الإمام أحمد رواية ثالثة أنه يجب قتله بترك صلاتين، ولهذه الرواية مأخذان أحدهما: أن الترك الموجب للقتل هو الترك المتكرر لا مطلق الترك حتى يطلق عليه أنه تارك الصلاة، وأقل ما يثبت به الترك المتكرر مرتان، المأخذ الثاني: أن من الصلاة ما تجمع إحداهن إلى الأخرى فلا يتحقق تركها إلا بخروج وقت الثانية، فجعل ترك الصلاتين موجبا للقتل، وإسحاق وافق هذه الرواية في المجموعتين.
قال القرطبي رحمه الله: وقال ابن خويز منداد: واختلف أصحابنا متى يقتل تارك الصلاة، فقال بعضهم: في آخر الوقت المختار، وقال بعضهم: آخر وقت الضرورة وهو الصحيح من ذلك، وذلك أن يبقي من وقت العصر أربع ركعات إلى مغيب الشمس، ومن الليل أربع ركعات لوقت العشاء، ومن الصبح ركعتان قبل طلوع الشمس، وقال إسحاق: وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى غروب الشمس والمغرب إلى طلوع الفجر. اهـ [1]
وقال ابن قدامة رحمه الله: ظاهر كلام الخرقي أنه يجب قتله بترك صلاة واحدة وهو إحدى الروايتين عن أحمد لأنه تارك للصلاة فلزمه قتله كتارك ثلاث، ولأن الأخبار تتناول تارك صلاة واحدة لكن لا يثبت الوجوب حتى يضيق وقت التي بعدها، لأن الأولى لا يعلم تركها إلا بفوات وقتها فتصير فائتة لا يجب القتل بفواتها، فإذا ضاق وقتها علم أنه يريد تركها فوجب قتله، والثانية: لا يجب قتله حتى يترك ثلاث صلوات ويضيق وقت الرابعة عن فعلها، لأنه قد يترك الصلاة والصلاتين لشبهة فإذا تكرر ذلك ثلاثا تحقق أنه تاركها رغبة عنها، ويعتبر أن يضيق وقت الرابعة عن فعلها لما ذكرنا، وحكى ابن حامد عن أبي إسحاق بن شاقلا أنه إن ترك صلاة لا تجمع إلى ما بعدها كصلاة الفجر والعصر وجب قتله، وإن ترك الأولى من صلاتي الجمع لم يجب قتله لأن الوقتين كالوقت الواحد عند بعض العلماء وهذا قول حسن. [2]
ويستحب أن يستتاب تارك الصلاة فإن تاب ترك وإلا قتل، وهذا أحد قول الشافعي وأحمد ومالك، والقول الآخر عنهم: لا يستتاب، وقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على قبول توبة المرتدين ومانعي الزكاة، وقد قال الله تعالى (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [3] وهذا يعم المرتد وغيره، فعلى هذا لا يقتل تارك الصلاة حتى يدعى إلى فعلها استحباب وليس إيجابا فيمتنع، وإن كان جاهلا بوجوبها جهلا يعذر به فلا يجوز قتله قبل البيان وإقامة الحجة والامتناع عن أدائها [4]
وقد قلنا باستحباب الاستتابة دون الوجوب لأن بعض الأدلة التي أمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم بقتل المرتد لم يرد فيها ذكر للاستتابة، وقد ورد عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة ما يفيد قتل المرتد بلا استتابة، ولكن قد ثبت ورودها في بعض الأدلة الأخرى، وقال بعض الصحابة رضي الله عنهم بها، والواجب حمل المطلق التي لم يرد فيه ذكر للاستتابة على المقيد الذي ورد فيه ذكر لها عملا بكل الأدلة، فالجمع إن كان ممكنا خير من الترجيح والذي يقتضي العمل ببعض الأدلة وترك بعضها، فالراجح والله تعالى أعلم هو استحباب الاستتابة لا وجوبها، إذ لو كانت واجبة لما أهمل النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها فيمن أمر بقتلهم على الردة، ولما خالفها من أفتى بعدم وجوبها من أصحابه والله أعلم.
فأما الأدلة التي لم يرد فيها ذكر للاستتابة منها:
قوله تعالى في وجو ب قتال الكفار والمشركين (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) [5] ،والمرتد من جملة المشركين، وقوله تعالى (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) [6] وما جرى مجراهما من الآيات، ولم يوقف الله تعالى قتال
(1) تفسير القرطبي ج8/ 74: 75.
(2) المغني ج2/ 157، راجع شرح العمدة ج4/ 69.
(3) سورة الأنفال، الآية: 38.
(4) راجع: شرح العمدة ج4/ 66: 67، المهذب ج1/ 51، الإقناع للشربيني ج2/ 554.
(5) سورة التوبة، الآية: 5.
(6) سورة التوبة، الآية: 123.