حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) [1] ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) [2] ، قالوا ولأنها من الشرائع العملية وفروع الدين فلا يقتل بتركها كالصيام والزكاة والحج، ولأن الأصل تحريم الدم فلا تثبت الإباحة إلا بنص أو معنى نص والأصل عدمه.
ورد عليهم الموجبون لقتله بأن الله تعالى قال (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) [3] ، فأمر بقتلهم حتى يتوبوا من شركهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فأباح الله تعالى قتلهم وشرط في تخلية سبيلهم التوبة وهي الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فمتى ترك الصلاة متعمدا لم يأت بشرط تخليته فبقي على وجوب القتل ومن قال لا يقتل تارك الصلاة يقول متى تاب من شركه سقط عنه القتل وأن لم يقم الصلاة ولا أتى الزكاة وهذا خلاف ظاهر آي القرآن.
ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بعث علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وهو باليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة، فقال رجل: يا رسول الله اتق الله، فقال صلى الله عليه وسلم (ويلك ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله) ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (لا لعله أن يكون يصلي) فقال خالد: فكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم) [4] ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم المانع من قتله كونه يصلي، فدل على أن من لم يصل يقتل، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر (نهيت عن قتل المصلين) [5] وهو يدل على أن غير المصلين لم ينهه الله عن قتلهم، وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟) فقال الأنصاري: بلى يا رسول الله ولا شهادة له، قال: (أليس يشهد أن محمدا رسول الله؟) قال: بلى ولا شهادة له، قال: (أليس يصلي الصلاة؟) قال: بلى ولا صلاة له، قال صلى الله عليه وسلم: (أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم) [6] ، فدل على أنه لم ينهه عن قتل من لم يصل
وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع) ، فقالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ فقال: (لا ما صلوا) [7]
وأما الاستدلال بحديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) على عدم قتل تارك الصلاة فخطأ ظاهر لأن هذا الحديث مطلق قد قيده ما ورد مفصلا في اشتراط إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع الشهادتين، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد اشترط أيضا في عصمة من نطق بالشهادتين أن يوفي حقها ولا شك أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة من حقها وعلى هذا أجمع الصحابة رضي الله عنهم.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) [8] ، فوجه الاستدلال به من وجهين، أحدهما: أنه أمر بقتالهم إلى أن يقيموا الصلاة، الثاني: قوله (إلا بحقها) والصلاة من أعظم حقها
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ثم قد حرمت علي دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله) [9] ، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتالهم إلى أن يقيموا الصلاة وأن دماءهم وأموالهم إنما تحرم بعد الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فدماؤهم وأموالهم قبل ذلك غير محرمة بل هي مباحة.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد العرب، فقال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل العرب؟ فقال أبو بكر: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) [10] ، وتقييد هذه الأحاديث يبين مقتضى الحديث المطلق الذي احتجوا به على ترك القتل
(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة وأبو يعلى والطبراني والبيهقي وهو متواتر كما قال السيوطي.
(2) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وأحمد وابن حبان وابن ماجة والبيهقي والبزار وأبو عوانة والدارمي.
(3) سورة التوبة، الآية: 5.
(4) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن حبان وأبو يعلى والبيهقي.
(5) رواه أبو داود والطبراني والبيهقي والدارقطني والبزار وأبو يعلى وقال الدارقطني: أبو هاشم وأبو يسار راويا الحديث مجهولان ولا يثبت الحديث، قال الحافظ ابن حجر: وفي متنه نكارة وأبو يسار هذا لا أعرف اسمه، وقد قال الرازي لما سئل عنه: مجهول، قال المنذري: وليس كذلك فإنه قد روى عنه الأوزاعي والليث فكيف يكون مجهولا، وعن أنس قال: لما أصيب عتبان بن مالك في بصره بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أحب أن تأتيني فتصلي في بيتي وتدعو لنا بالبركة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فدخلوا عليه فتحدثوا بينهم فذكروا مالك بن الدخشم فقال رجل: يا رسول الله ذاك كهف المنافقين ومأواهم فأكثروا فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أو ليس يصلي؟) قالوا: نعم يا رسول الله صلاة لا خير فيها، فقال رسول الله (نهيت عن قتل المصلين مرتين) رواه الطبراني في الكبير وفيه عامر بن يساف وهو منكر الحديث، وعن أنس أن أبا بكر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل المصلين) وفي رواية (عن ضرب المصلين) رواه البزار والطبراني والدارقطني وأبو يعلى وفيه موسى بن عبيدة وهو متروك وعامر بن سنان وهو منكر الحديث.
(6) رواه ابن حبان وأحمد ومالك والشافعي.
(7) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمدي وابن حبان وأبو يعلى والبيهقي وابن أبي شيبة والطبراني.
(8) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى والطبراني والبيهقي وهو متواتر كما قال السيوطي
(9) رواه بهذا اللفظ أحمد وابن خزيمة والحاكم والدارمي والبيهقي وأبو يعلى وابن أبي شيبة.
(10) رواه السنائي والبيهقي