وصرح جماعات من اصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي وعثمان وبكفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة، الذين كفروا الصحابة وفسقوهم وسبوهم.
وقال ابو بكر عبد العزيز في المقنع: (واما الرافضي فان كان يسب فقد كفر فلا يزوج) .
ولفض بعضهم وهو الذي نصره القاضي ابو يعلى انه ان سبهم سبا يقدح في دينهم او عدالتهم كفر بذلك، وان كان سبا لا يقدح مثل ان يسب ابا احدهم او يسبه سبا يقصد به غيظه ونحو ذلك لم يكفر.
قال احمد - في رواية ابي طالب - في الرجل يشتم عثمان: (هذه زندقة) ، وقال - في رواية المروذي: (من شتم ابا بكر وعمر وعائشة ما اراه على الاسلام) ، وقال - في رواية حنبل: (من شتم رجلا من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما اراه على الاسلام) .
قال القاضي ابو يعلى: (فقد اطلق القول فيه انه يكفر بسبه لاحد من الصحابة وتوقف في رواية عبد الله وابي طالب عن قتله، وكمال الحد وايجاب التعزير يقتضي انه لم يحكم بكفره) .
قال: (فيحتمل ان يحمل قوله ما اراه على الاسلام اذا استحل سبهم بانه يكفر بلا خلاف، ويحمل اسقاط القتل على من لم يستحل ذلك بل فعله مع اعتقاده لتحريمه، كمن ياتي المعاصي) .
قال: (ويحتمل ان يحمل قوله ما اراه على الاسلام على سب يطعن في عدالتهم، نحو قوله ظلموا وفسقوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم واخذوا الامر بغير حق، ويحمل قوله في اسقاط القتل على سب لا يطعن في دينهم نحو قوله كان فيهم قلة علم وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة وكان فيهم شح ومحبة للدنيا ونحو ذلك) .
قال: (ويحتمل ان يحمل كلامه على ظاهره فتكون في سابهم روايتان احداهما يكفر والثانية يفسق، وعلى هذا استقر قول القاضي وغيره حكوا في تكفيرهم روايتين) .
قال القاضي: (ومن قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه كفر بلا خلاف) .
ونحن نرتب الكلام في فصلين احدهما في حكم سبهم مطلقا والثاني في تفصيل احكام السب:
اما الاول: فسب اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام بالكتاب والسنة.
اما الاول:
فلأن الله سبحانه يقول: {ولا يغتب بعضكم بعضا} وادنى احوال الساب لهم ان يكون مغتابا، وقال تعالى: {ويل لكل همزة لمزة} والطاعن عليهم همزة لمزة، وقال: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} وهم صدور المؤمنين فانهم هم المواجهون بالخطاب في قوله تعالى: {يا ايها الذين امنوا} حيث ذكرت ولم يكتسبوا ما يوجب اذاهم، لان الله سبحانه رضي عنهم رضى مطلقا بقوله تعالى: {والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبوعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} فرضي عن السابقين من غير اشتراط احسان ولم يرض عن التابعين الا ان يتبعوهم باحسان، وقال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين اذا يبايعونك تحت الشجرة} والرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى الا عن عبد علم انه يوافقه على موجبات الرضى، ومن رضى الله عنه لم يسخط عليه ابدا، وقوله تعالى: {اذ يبايعونك} سواء كانت ظرفا محضا او ظرفا فيها معنى التعليل فان ذلك ظرف لتعلق الرضى بهم فانه يسمى رضى ايضا كما في تعلق العلم والمشيئة والقدرة وغير ذلك من صفات الله سبحانه وقيل بل الظرف يتعلق بنفس الرضى وانه يرضى عن المؤمن بعد ان يطعيه ويسخط عن الكافر بعد ان يعصيه ويحب من اتبع الرسول بعد اتباعه له وكذلك امثال هذا، وهذا قول جمهور السلف واهل الحديث وكثير من اهل الكلام، وهو الاظهر، وعلى هذا فقد بين في مواضع اخر ان هؤلاء الذين رضي الله عنهم هم من اهل الثواب في الاخرة، يموتون على الايمان الذي به يستحقون ذلك كما في قوله تعالى: {والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه واعد لهم جنات تجري تحتها الانهار خالدين فيها ابدا ذلك الفوز العظيم} .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (( لا يدخل النار احد بايع تحت الشجرة ) ).
وايضا فكل من اخبر الله أنه رضي عنه عنه فانه من اهل الجنة، وان كان رضاه عنه بعد ايمانه وعمله الصالح، فانه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح عليه، فلو علم انه يتعقب ذلك ما يسخط الرب لم يكن من اهل ذلك.