فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 9

وهذا كما في قوله تعالى: {يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} ولانه سبحانه وتعالى قال: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم انه بهم رءوف رحيم} ، وقال سبحانه وتعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} ، وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا. . .الآية} ، وقال تعالى: {كنتم خير امة اخرجت للناس} ، {وكذلك جعلناكم امة وسطا} وهم اول من وجه بهذا الخطاب فهم مرادون بلا ريب، وقال سبحانه وتعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولاتجعل في قلوبنا غلا للذين امنوا ربنا انك رءوف رحيم} فجعل سبحانه ما افاء الله على رسوله من اهل القرى للمهاجرين والانصار والذين جاءوا من بعدهم مستغفرين للسابقين وداعين الله ان لايجعل في قلوبهم غلا لهم، فعلم ان الاستغفار لهم وطهارة القلب من الغل لهم امر يحبه الله ويرضاه ويثني على فاعله، كما انه قد امر بذلك رسوله في قوله تعالى: {فاعلم انه لا اله الا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} ، وقال تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم} ومحبة الشيء كراهة لضده فيكون الله سبحانه وتعالى يكره السب لهم الذي هو ضد الاستغفار والبغض لهم الذي هو ضد الطهارة، وهذا معنى قوله عائشة رضي الله عنها: (امروا بالاستغفار لاصحاب محمد فسبوهم) [رواه مسلم] .

وعن مجاهد عن ابن عباس قال: (لا تسبوا اصحاب محمد فان الله قد امرنا بالاستغفار لهم وقد علم انهم سيقتتلون) [رواه الامام احمد] .

وعن سعد بن ابي وقاص قال: (الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت واحدة فأحسن ما انتم كائنون عليه ان تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت - قال: ثم قرأ: {للفقراء المهاجرين - الى قوله - ورضوانا} فهؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت، {والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم - الى قوله - ولو كان بهم خصاصة} قال: هؤلاء الانصار وهذه منزلة قد مضت، ثم قرا: {والذين جاءوا من بعدهم - الى قوله - رحيم} قد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة، فاحسن ما انتم كائنون عليه ان تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت) ، يقول ان تستغفروا لهم.

ولان من حاز سبه لعينه او لعنته لم يجز الاستغفار له، كما لا يجوز الاستغفار للمشركين لقوله تعالى: {ما كان للنبي والذين امنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم انهم اصحاب الجحيم} . وكما لا يجوز ان يستغفر لجنس العاصين مسمين باسم المعصية لان ذلك لا سبيل اليه.

ولانه شرع لنا ان نسأل الله ان لايجعل في قلوبنا غلا للذين امنوا، والسب باللسان اعظم من الغل الذي لاسب معه، ولو كان الغل عليهم والسب لهم جائزا لم يشرع لنا ان نسأله ترك مالا يضر فعله.

ولانه وصف مستحقي الفيء بهذه الصفة، كما وصف السابقين بالهجرة والنصرة، فعلم ان ذلك صفة لهم وشرط فيهم، ولو كان السب جائزا لم يشترط في استحقاق الفيء ترك امر جائز كما لايشترط ترك سائر المباحات، بل لو لم يكن الاستغفار لهم واجبا لم يكن شرطا في استحقاق الفيء لان استحقاق الفيىء لا يشترط فيه ما ليس بواجب، بل هذا دليل على ان الاستغفار لهم داخل في عقد الدين واصله.

واما السنة:

ففي الصحيحين عن الاعمش عن ابي صالح عن ابي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تسبوا اصحابي فوالذي نفسي بيده لو ان احدكم انفق مثل احد ذهبا ما ادرك مد احدهم ولانصيفه ) ).

وفي رواية لمسلم - واستشهد بها البخاري - قال: كان بين خالد ابن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تسبوا اصحابي فان احدكم لو انفق مثل احد ذهبا ما ادرك مد احدهم ولا نصيفه ) ).

وفي رواية للبرقاني في صحيحه: (( لا تسبوا اصحابي دعوا لي اصحابي فان احدكم لو انفق كل يوم مثل احد ذهبا ما ادرك مد احدهم ولا نصيفه ) ).

والاصحاب: جمع صاحب، والصاحب اسم فاعل من صحبه يصحبه، وذلك يقع على قليل الصحابة وكثيرها لانه يقال صحبته ساعة وصحبته شهرا وصحبته سنة، قال الله تعالى: {والصاحب بالجنب} قد قيل هو الرفيق في السفر، وقيل هو الزوجة، ومعلوم ان صحبة الرفيق وصحبة الزوجة قد تكون ساعة فما فوقها، وقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت