فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 9

امية ان حد الانبياء ليس يشبه الحدود كما تقدم. ولان الله تعالى ميز بين مؤذي الله ورسوله ومؤذي المؤمنين، فجعل الاول ملعونا في الدنيا والاخرة، وقال في الثاني: {فقد احتملوا بهتانا واثما مبينا} ومطلق البهتان والاثم ليس بموجب للقتل وانما هو موجب للعقوبة في الجملة فتكون عليه عقوبة مطلقة ولا يلزم من العقوبة جواز القتل، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يحل دم امرىء مسلم يشهد ان لا اله الا الله الا بإحدى ثلاث: كفر بعد ايمان، او زنى بعد احصان، او رجل قتل نفسا فيقتل بها ) ). ومطلق السب لغير الانبياء لا يستلزم الكفر لأن بعض من كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما سب بعضهم بعضا ولم يكفر احدا بذلك، ولان اشخاص الصحابة لا يجب الايمان بهم باعيانهم، فسب الواحد لا يقدح في الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر.

واما من قال:"يقتل الساب او قال يكفر فلهم دلالات احتجوا بها":

منها قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم - الى قوله تعالى - ليغيظ بهم الكفار} فلابد ان يغيظ بهم الكفار، واذا كان الكفار يغاظون بهم فمن غيظ بهم فقد شارك الكفار فيما اذلهم الله به واخزاهم وكبتهم على كفرهم، ولا يشارك الكفار في غيظهم الذين كبتوا به جزاء لكفرهم الا كافر، لان المؤمن لا يكبت جزاء للكفر.

يوضح ذلك ان قوله تعالى: {ليغيظ بهم الكفار} تعليق للحكم بوصف مشتق مناسب، لان الكفر مناسب، لان يغاظ صاحبه، فاذا كان هو الموجب لان يغيظ الله صاحبه باصحاب محمد فمن غاظه الله باصحاب محمد فقد وجد في حقه موجب ذاك وهو الكفر.

قال عبد الله ابن ادريس الاودي الامام: (ما امن ان يكونوا قد ضارعوا الكفار - يعني الرافضة - لان الله تعالى يقول: {ليغيظ بهم الكفار} ) ، وهذا معنى قول الامام احمد"ما اراه على الاسلام".

ومن ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (( من ابغضهم فقد ابغضني، ومن اذاهم فقد اذاني، ومن اذاني فقد اذى الله ) )، وقال: (( فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ) )، واذى الله ورسوله كفر موجب للقتل - كما تقدم -

وبهذا يظهر الفرق بين اذاهم قبل استقرار الصحبة واذى سائر المسلمين، وبين اذاهم بعد صحبتهم له، فانه على عهده قد كان الرجل ممن يظهر الاسلام يمكن ان يكون منافقا ويمكن ان يرتد، فأما اذا مات مقيما على صحبه النبي صلى الله عليه وسلم وهو غير مزنون بنفاق فاذاه اذى مصحوبه.

قال عبد الله بن مسعود: (اعتبروا الناس باخدانهم) .

وقالوا:

عن المرء لا تسال وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي

وقال مالك رضي الله عنه: (انما هؤلاء قوم ارادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في اصحابه، حتى يقال رجل سوء كان له اصحاب سوء ولو كان رجلا صالحا كان اصحابه صالحين) ، او كما قال، وذلك انه ما منهم رجل الا كان ينصر الله ورسوله ويذب عن رسول الله بنفسه وماله ويعينه على اظهار دين الله واعلاء كلمة الله وتبليغ رسالات الله وقت الحاجة، وهو حينئذ لم يستقر امره ولم تنتشر دعوته ولم تطمئن قلوب اكثر الناس بدينه، ومعلوم ان رجلا لو عمل به بعض الناس نحو هذا ثم اذاه احدا لغضب له صاحبه وعد ذلك اذى له، والى هذا اشار ابن عمر، قال نسير بن ذعلوق: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: (لا تسبوا اصحاب محمد فان مقام احدهم خير من عملكم كله) [رواه اللالكائي] وكانه اخذه من قول النبي صلى الله عليه وسلم لو انفق احدكم مثل احد ذهبا ما بلغ مد احدهم او نصيفه، وهذا تفاوت عظيم جدا.

ومن ذلك ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة انه لعهد النبي الامي الي انه لايحبك الا مؤمن ولا يبغضك الامنافق) رواه مسلم.

ومن ذلك ما خرجاه في الصحيحين عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اية الايمان حب الانصار، واية النفاق بغض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت