فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 224

الهوي .. كما قال الله عزوجل: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [1] . إذن خلاف الحق الهوي. قال الله عزوجل: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [2] . فخلاف الوحى ماذا؟ الهوي .. و قال الله عزوجل:(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) [3] . فخلاف الهدى ماذا؟ الهوي .. و ما من قولٍ يخالف الكتاب والسنة، إلا ومبعثه الهوى مع مبعثٍ آخر، أو داعٍ آخر وهو الجهل والظن الذي تحدَّثنا عنه في المحاضرة الأولي.

وقلنا أن الميزة الثانية لأهل السنة، أنهم يأخذون بجميع النصوص الصحيحة، حيث صح النص، فإنه حَقٌ في ذاته، وحَقٌ بمجموع النصوص التي تكون مع هذا النص في هذه المسألة .. ولابدّ أن نجمع جميع النصوص الواردة في مسألة واحدة، لنعرف حكم الله عزوجل ونعرف إرشاد الرب عزوجل لنا في هذه المسألة ..

"المَيزة الثالثة"

الآن نأتي إلى الميزة الثالثة ولماذا قال أهل السنة بقولهم"السنة"؟ لأن كثيرًا من أهل البدع قد رَدُّوا كثيرًا من السنن لِظَنّهم أنها تعارض ظاهر القرآن. فمجال أهل البدع في الطعن لايستطيعون أن يطعنوا في كتاب الله عزوجل ولكن طعنهم إنصَبَّ أين؟ على السنة. لأن السنة قاضيةٌ على الكتاب - كما قال السلف -. وهذا اللفظ رفضه الإمام أحمد رحمه الله، قال: لايقال السنة قاضية على الكتاب وإن تدأوله كثيرٌ من سلفنا الصالح. قال: السنة مفصلة ومبينة للكتاب .. [4]

(1) ص 26.

(2) النجم 3 - 4.

(3) النجم 23.

(4) روي ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 191) والحازمي في الاعتبار ص 99، عن يحيي بن أبي کثير أنه قال: (السنة قاضية علي الکتاب وليس الکتاب قاضيًا علي السنة) .. وانظر سنن الدارمي رقم 587. ويوضح الإمام الشاطبي رحمه الله ما يقصد العلماء بقولهم"ان السنة قاضية علي الکتاب"فيقول: {الجواب أن قضاء السنة علي الکتاب ليس بمعني تقدمها عليه، واطراح الکتاب، بل إن ذلک المعبر في السنة هو المراد في الکتاب، فکأن السنة بمنزلة التفسير، والشرح لمعاني أحکام الکتاب} . (الموافقات 4/ 394-395) . کما قال الإمام الشافعي رحمه الله:"جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة وجميع السنة شرح للقرآن". والإمام أحمد رحمه الله، تحاشا أدبًا لفظ (قاضية علي الکتاب) عندما سئل عن الأثر السابق فقال:"ما أجسر علي هذا أن أقوله، ولکن السنة تفسر الکتاب وتبينه". {طبقات الحنابلة لابن أبي يعلي 1//25، وانظر الموافقات 4/ 408 - 409} . إذن: المسألة والخلاف، لفظي فقط، کأن الإمام أحمد تحاشي إطلاق اللفظ، وأتي بلفظ يفهم منه المعني تمامًا، وهو أن السنة مبينة للقرآن. ومعني أن السنة قاضية علي القرآن أنه إذا إختلف اثنان فيتحاکما إلي القاضي. کل واحد يدلي ما عنده من دليل، فيقول القاضي: الحق مع فلأن، فإذن القاضي قضي لفلأن بعد ما ثبتت حجته وظهرت واستبأنت، کذلک السنة، أي أن هناک لفظة في القرآن تحتمل معنيين فتأتي السنة فتقضي بين المعنيين وتقول: المعني الأول هو المراد .. والثاني غير المراد. فتکون السنة قدقامت بدور القاضي بين المعاني. فلذلک صارت قاضية علي کتاب الله، لا لأنها مقدمة علي کتاب الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت