فالكتاب حمالُ أوجُهٍ [1] ، ولم يأتي الكتاب بتفصيل مسألة تفصيلًا تامًَّا، والتفصيل أين يكون؟ يكون في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك عامة أهل البدع لم يَرُدُّوا كتاب الله عزوجل، ولم يردوا آية، وإن ورد من بعض أهل البدع أنَّ قلبه قد إحترق من دلالة آية فقال:"أتمنى أن تُمْحى هذه الآية من كتاب الله". كما ورد عن عمروبن عبيد أحد أئمة المعتزلة كان يقرأ قوله سبحانه وتعالى (قل هو الله أحد الله الصمد .. ) السورة، فقال:"لَوَدِدْتُ أن تُحَك هذه الآية من كتاب الله" [2] ! لأنها فيها الدلالة على ضلال مذهبه وفيها الدلالة على صحة مذهب أهل السنة المخالفين له ..
لكن عامة أهل البدع لايستطيع أن يغتنم من الكتاب إلّا تأويلًا له، فمَن يحدد أن هذا التأويل تأويل حق أو تأويل باطل، مَن؟ الجواب: السنة النبوية، لأنها تُفَصِّل وتُبَين ..
فالسنة النبوية تُفَصِّل لنا معنى الحق المراد بكتاب الله عزوجل، فالكتاب حمَّال أوجه، لأن ألفاظه عامة مُجملة كما قال السلف: القرآن جاء بمجمل القضايا .. ، إذا أراد رجل بدلالة لفظٍ عام في الكتاب أن يحمله على معنى باطل، مَن الذي يرُدُّه؟ السنة ترده، إلى المعنى الصواب، إلى معنى الذي أراده الله عزوجل، ولذلك لم يقولوا - أى أهل الفرقة الناجية والسلف الصالح - لم يقولوا (الكتاب) بدل"السنة"، لم يقولوا هذه فرقة (الكتاب والجماعة) ، ولكن قالوا: (السنة والجماعة) . لأن عامة أهل البدع، خصومتهم، في السنة، أي في ردها. واضح يا اخوتي؟ .. هذا لابدّ أن نفهمه، ولذلك أهل السنة، بفضل الله عزوجل هم الذين اشتغلوا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعًا وتنقيبًا له وبحثًا له وتصنيفًا لهذا، فلذلك تميزوا بأنهم أهل الحديث، لأن عامة جهود أهل السنة كانت مُنصبةً على جمع الحديث والبحث عن مفرداته وعلى معانيه وعلى تفسيره وعلى دلالاته، أما أهل البدع، فان عامة ضلالهم، إنما أخذت من عدم فهمهم للسنة، أو عدم أخذهم بها، وقالوا بأقوال مبتدعة، لعدم جمعهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
الآن! الشيعة، مانصيبهم من السنة النبوية؟ لاشيء!. إلَّا حظًا يسيرًا الذي ذكروه في كتبهم من طرقٍ باطلة، لكنها أصابت الحق، هي طرقٌ باطلة، ولكن قد يصيب الجاهل أو الأعمي. وقد يصدق الكذوب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشيطان: (إنّه قد صدقك وهو كذوب) [3] .
فعندهم حظٌ يسير من الحق، وأهل السنة أولى به لأنه موجود بطرقٍ صحيحةٍ عند أهل السنة.
الآن! الخوارج مِن أين جاؤوا بِرَدِّ كثيرٍ من الأحاديث أو برد كثيرٍ من الأحكام الشرعية؟
(1) أخرج ابن سعد من طريق عکرمة عن ابن عباس ان علي بن أبي طالب أرسله إلي الخوارج فقال: إذهب إليهم فخاصمهم ولا تحاججهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولکن خاصمهم بالسنة". واخرج من وجه آخر أن ابن عباس قال له: يا أمير المؤمنين فأنا أعلم بکتاب الله منهم، في بيوتنا نزل، قال: صدقت، ولکن القرآن حمالٌ ذو وجوه، تقول ويقولون ولکن خاصمهم بالسنن، فإنهم لم يجدوا عنها محيصًا، فخرج إليهم فخاصمهم بالسنن فلم تبق بأيديهم حجة. {الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 1/ 410} ."
(2) راجع"إجتماع الجيوش الإسلامية"للامام ابن القيم.
(3) رواه البخاري في صحيحه (باب إذا وَکَّل رجلًا فترک الوکيل شيئًا فأجازه الموکِّل فهو جائز) . ورواه في باب (صفة إبليس وجنوده) برقم 3033.