فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 224

جاؤوا من عدم فهمهم للسنة وعدم سماعهم لها. فهم يردون الرجم، الخوارج يردون حكم الرجم ويقولون أن الرجم على المراة المحصنة لم يرد، لأنه لا يوجد في كتاب الله! [1] ما الذي دعاهم أن يقولوا هذا القول؟ عدم فهمهم وعدم إحاطتهم بالسنة ..

فلذلك أهل السنة كان عامة جهودهم أن يجمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستسلموا له ..

وكذلك من الفِرَق التي اقتربت أو ابتعدت كثيرًا أو قليلًا عن أهل السنة والجماعة، المتوهِّلون بالأخذ بالرأي، وهم الفقهاء .. هؤلاء، لأنهم قالوا"أن الشريعة جاءت بالكليات"، هكذا ظنوا أن الشريعة بنصوصها - بنصوصها المفردة - لم تستوعب حوادث الزمان والمكان، إنما جاءت الشريعة وجاءت النصوص النبوية بالمجملات وبالكليات. هكذا قالوا، وقالوا إن الشريعة بنصوصها لم تستوعب الحياة كلَّها، لم تستوعب جميع الأحداث ولم تستوعب جميع القضايا وجميع ما يقع للناس من أمورهم الحيأتية، - وهذا القول باطلٌ وضلال وإن إمتلات وحُشيت به كثيرٌ من كتبِ الفقه والأصول -. فلذلك هم - أي أهل الرأي - نظروا إلى بعض الأحاديث واعتبروها كلية وجعلوها كلية في أذهانهم وفرضوا على هذه الأحاديث معاني قياسية ما، عقلية وكلية مع هذه الأحاديث، فكل حديثٍ أو كل مسألة قبل ذلك، كل مسألة عرضت لهم أرجعوها لهذه الكلية، ولم يلتفتوا هل يوجد لهذه الحادثة نصٌ آخر، حتّى لو جاء حديثٌ بعد ذلك يخالف هذه الكلية الواردة في أذهانهم على معنى هذا الحديث، رَدُّوه بقولهم أنَّ هذا الحديث على خلاف القياس، .. وهذا مثاله كثير عند الفقهاء أو عند القائلين بالرأي، أو الذين سمَّاهم السلف بـ (الأرأيتيين) ، حتّى قال الشعبى رحمه الله:"إنَّ هؤلاء قد بغضوا إليَّ المسجد، حتّى لكناسة بيتى أحب إليَّ من المسجد، قالوا: من هم يا أبا عمر؟ قال"الأرأيتيون"» [2] ."

مثلًا، أضرب لكم عنهم أمثلة فقهية حتّى تتضح الصورة ..

قالوا:"أنه لا يجوز بيع المعدوم"، ثم قالوا"أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع العدوم، ولا يوجد حديث صحيح في هذا ولا حديث حسن [3] - لكن أخذوها من بعض الأحاديث الدالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن بيعٍ كان فيه المبيع معدومًا. مثل قوله"

(1) ما أشبه الليلة البارحة، فلا يزال من المبتدعة والعصرانيين، من يقولون بهذا القول الفاسد، ويردون هذا الأمر الثابتت المتواتر في الشريعة. (إنا لله وإنا إليه راجعون) !

(2) أنظر الأحکام لابن حزم رحمه الله (6/ 789) ./عُرِفتْ مدرسة الإمام أبي حنيفة رحمه الله عند السلف بمدرسة (الأرأيتيين) ، أي: الذين يفترضون الوقائع بقولهم (أرأيت لو حصل کذا؟ أرأيت لو کان کذا؟) . فقد سأل مالکًا - رحمه الله - بعضُ تلاميذه يومًا عن حکم مسألة فأجابه، فقال تلميذه: أرأيت لو کان کذا؟ فغضب مالک وقال: هل أنت من الأرأيتيين؟ هل أنت قادم من العراق؟". {السنة ومکانتها في التشريع ص 403} . وکان فقهاء أهل الحديث يحذرون من الإفتراضيين، ويطلقون عليهم تسميات عدة مثل: (الآرائيين) ، (الهداهد) ، (الأرأيتيين) ، (أصحاب أرأيت) وينهون تلاميذهم عن مجالستهم والأخذ عنهم وإتباع طريقتهم، قال أبو وائل:"لا تقاعد أصحاب أرأيت"، وقال الشعبي:"ما کلمة أبغض إليّ من أرأيت". وقال الشعبي أيضًا:"إنما هلک من کان قبلکم في أرأيت". {راجع جامع بيان العلم وفضله، لابن عبدالبر رحمه الله 2/ 146 - 147} ."

(3) راجع اعلام الموقعين عن رب العالمين. للامام ابن القيم الجوزية 0 (1/ 312) . حيث قال: (ولم يأت عنه(صلي الله عليه وسلم) حرف واحد أنه صلي الله عليه وسلم نهي عن بيع المعدوم). 1 ه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت