أما عن الافتراق في المعنى بين الإسلام و الإيمان عند إتحاد المبنى، فيكون الإيمان أخص من الإسلام و بيانه [1] :
-إنّ الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته فهو من باب قول القلب المتضمن فعل القلب فالأصل فيه التصديق و العمل تابع له.
والإسلام هو إستسلام العبد لله و خضوعه و إنقياده و ذلك يكون بالعمل: فالإيمان كالروح، و الإسلام كالبدن و لا يكون البدن حيا إلاّ مع روح بمعنى أنّهما متلازمان.
ومن هنا قال المحققون من العلماء: كلّ مؤمن مسلم، فإنّ من حقق الإيمان و رسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام، فلا يتحقق القلب بالإيمان إلاّ و تنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كلّ مسلم مؤمنا، فقد يكون الإيمان ضعيفا فلا يتحقق القلب به تحققا تامّا مع عمل جوارحه بأعمال الإسلام فيكون مسلما، وليس بمؤمن الإيمان التام، قال تعالى:"قَالَتْ الإعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ... (14) "الحجرات.
فإذا نفى الإيمان عن أحد وأثبت له الإسلام كالأعراب في سورة الحجرات فإنّه ينفي عنهم رسوخ الإيمان في القلب، و يثبت لهم المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة من نوع إيمان يصحح لهم العمل، إذ لولا هذا القدر من الإيمان لم يكونوا مسلمين و إنّما نفى عنهم الإيمان لإنتفاء ذوق حقائقه و نقص بعض واجباته، و هذا مبنيّ على أنّ التصديق القائم بالقلوب متفاضل كما مرّ.
-وإسم الإيمان يُنفى عمن ترك شيئا من واجباته أو يقال مؤمن ناقص الإيمان، وأمّا اسم الإسلام فلا يُنْفَى بإنتفاء بعض واجباته أو إنتهاك محرّماته ما لم تكن من نواقضه.
-والإسلام يتناول بعض من أظهر الإسلام وليس معه شيء من الإيمان كالمنافقين، ويتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن ولكنّه لم يفعل الواجب كلّه وهم العصاة، ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من الإيمان.
هذه بعض الفروق. والله أعلم.
و بهذا التفصيل يظهر تحقيق القول إن شاء الله في مسألة الإيمان و الإسلام هل هما واحد أو هما مختلفان؟ فإنّ أهل السنّة و الحديث مختلفون في ذلك، فممّن لا يرى بالتفريق البخاري و محمد بن نصر المروزي و قبلاهما الإمام مجاهد و هو إختيار إبن عبد البرّ، و قد رُوي عن الثوري إلاّ أنّ في إسناده أيّوب بن سويد الرملي و هو ضعيف.
(1) -"كتاب الإيمان"لشيخ الإسلام ببعض التصرف.