الصفحة 85 من 101

فصل: بيان أحوال الناس في سماع الحجّة

قال تعالى:"أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالُها"محمد: 24. وقال تعالى": أفلم يدَّبروا القول أم جاءهم ما لم يأت ءابآءهم الأولين" (المؤمنون: 68) وقال تعالى": أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافًا كثيرًا"النساء: 82، فإذا كان قد حض الله الكفار والمنافقين على تدبركتابه العظيم، عُلم أنّ معانيه ممّا يمكن الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها [1] .

قال شيخ الإسلام [2] : فآياته سبحانه توجب شيئين:

أحدهما: فهمها وتدبرها، ليعلم ما تضمنته. والثاني: عبادته والخضوع له إذا سُمِعت، فتلاوته إياها وسماعها يوجب هذا وهذا، فلو سمعها السامع ولم يفهمها كان مذمومًا، ولو فهمها ولم يعمل بما فيها كان مذمومًا، بل لابُد لكل أحد عند سماعها من فهمها والعمل بها، كما أنه لابُد لكل أحد من استماعها، فالمعرض عن استماعها كافر، والّذي لا يفهم (أقول: لإعراضه عن الفهم) ما أُمِر به فيها كافر، والذي يعلم ما أُمِر به فلا يُقرّ بوجوبه ويفعله كافر. وهو سبحانه يذم الكفار بهذا وهذا. إنتهى

قال [3] الإمام إبن القيم تفسيرا لقوله تعالى:"و لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولّوا وهم معرضون": أي لو علم الله من هؤلاء الكفار قبولا و إنقيادا لأفهمهم وإلاّ فهم سمعوا سمع إدراك"ولو أسمعهم لتولّوا وهم معرضون"أي لو أفهمهم لما انقادوا ولا إنتفعوا بما فهموا فإنّ في قلوبهم من داعي التولي والإعراض ما يمنعهم عن الإنتفاع بما سمعوه. إنتهى.

و أوضح من هذا ما بيّنه شيخ الإسلام فقال: فصل في السماع:

أصل السماع الذي أمر الله به هو سماع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، سماع فقه وقبول ولهذا إنقسم الناس فيه إلى أربعة أصناف: صنف معرض ممتنع عن سماعه، وصنف سمع الصوت ولم يفقه المعنى، وصنف فقه لكنه لم يقبل، والرابع الذي سمعه سماع فقه وقبول.

فالأول كالّذين قال فيهم الله تعالى:"وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلّكم تغلبون".

والصنف الثاني: من سمع بذلك لكن لم يفقه المعنى، ومن أدلّة على ذلك قوله تعالى:"ومن أظلم ممّن ذكر بآيات الله فأعرض عنها ونسي ما قدّمت يداه، إنّا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي أذانهم وقرا وإن تدعوهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا".

(1) - مجموع الفتاوى (5/ 158)

(2) - مجموع الفتاوى 23/ 147

(3) - بدائع التفسير {2/ 230} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت