استمر اعتبار الوحي الإلهي، كمصدر أعلى وأخير للمعرفة، على خلاف في تحديد تعاليمه ومعالمه، في أوربا، إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، وهو ما أطلق عليه، عصر التنوير في تاريخ الفلسفة الأوربية.
وقد أطلق على عصر التنوير، العصر الإنساني أيضا، وكان طابعه الفكري هو تزايد شعور العقل وإحساسه بنفسه، وبقدرته على أن يأخذ مصير مستقبل الإنسانية في يده، بمعنى آخر سيادة العقل كمصدر للمعرفة لا غير، وذلك بعدما أعرض الفلاسفة الأوربيون في هذا العصر عن ضلال الكنيسة وحقّ لهم وهربوا منها إلى ضلالات أخرى، فضلّوا كثيرا وأضلّوا وضلّوا عن سواء السبيل.
وقد زعم فلاسفة هذا العصر، أن العقل وحده له الحق في الإشراف على كل اتجاهات الحياة، ومافيها من سياسة وقانون ودين.
وربما سمي هذا العصر أيضا"DEISM"أي عصر الإيمان الفلسفي بإله، ليس له وحي، وغير خالق للعالم، يقود هذا الإله: إلى العقل الذي يلغي أن يكون هدف الإنسانية القربى من الله، وأن تكون الحياة فترة امتحان إلهي للإنسان، بل يجعل الإنسانية نفسها هدف الإنسان الأسمى، ليس له هدف وراء ذلك البتة.
لكن بعد ذلك، وبظهور فجر القرن التاسع عشر، جاءت نزعة فلسفية جديدة هي فكرة سيادة الطبيعة، ونتج منها استبدال الواقع والحس بالعقل، فصار ما أطلق عليه الواقع، أو المادة، أو المحسوس، أو الطبيعة، هو سيد الموقف.
فالواقع هو الذي يحدد كلّ شيء، فالواقع هو الطبيعة، والطبيعة هي مصدر المعرفة، لأنها هي التي تنقش الحقيقة في عقل الإنسان، وهي التي توحي بها، وترسم معالمها، فإذا هي الأصل، لأنها هي التي تكوّن عقل الإنسان، وحينئذ كل ما يظنه الإنسان أنه وراء الطبيعة فليس سوى خداع.
وسمي هذه العصر، العصر"الوضعي"، وفلاسفته يقولون: إن الإنسان عندما يتحدث عن نفسه من غير أن يستلهم الطبيعة التي تدور حوله، يخادع نفسه، وإنه عندما يتحدث عن الإنسان من منطلق خارج الطبيعة، يتحدث بشيء غير حقيقي عن شيء حقيقي، فإذا لامعنى للوحي الإلهي هنا.
ويقول هؤلاء: عقل الإنسان وليد الطبيعة أصلا، فهو مجرد انطباع لحياته الحسيّة والماديّة.
وهكذا نرى أن الإنسان جحد وحي الله إليه، وجعل بدله عقله أو المادة الذي ظن أنها صنعت عقله.
إذا عندما هرب الإنسان الغربي من ضلال رهبان الكنيسة الذي وصفه الله تعالى بقوله: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحقّ ولا تتّبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيرا وضلّوا عن سواء السّبيل} ، إلى ضلال اتباع الهوى - العصر الإنساني - هذا الضلال الذي وصفه الله تعالى بقوله: