والآن نشرع في نقد ما يطلق عليه الدستور، وسننتقد ما له علاقة بالعقيدة الإسلامية فحسب، وإلاّ فنقد ما كل ما فيه كثير ومتشعّب:
أولا: من المقدمة:
من الواضح من مقدمة الدستور، أن واضعه، لم يبن أحكامه أصلا على شريعة الله، بل بناها على غير ذلك، كما ذكر في مقدمته:
(رغبة في استكمال أسباب الحكم الديمقراطي لوطننا العزيز، وإيمانا بدور هذا الوطن في ركب القومية العربية وخدمة السلام العالمي والحضارة الإنسانية. وسعيا نحو مستقبل أفضل ينعم فيه الوطن بمزيد من الرفاهية والمكانة الدولية، ويفيء على المواطنين مزيدا كذلك من الحرية السياسية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، ويرسي دعائم ما جبلت عليه النفس العربية من اعتزاز بكرامة الفرد، وحرص على صالح المجموع وشورى في الحكم مع الحفاظ على وحدة الوطن واستقراره، وبد الاطلاع على القانون رقم 1 لسنة 1962 الخاص بالنظام الأساسي للحكم في فترة الانتقال، وبناء على ما قرره المجلس التأسيسي، صدقنا على هذا الدستور وأصدرناه) .
ومن الواضح هنا، أن واضع الدستور تعمد تجاهل الإشارة إلى أي شيء يمت إلى الشريعة الإسلامية أو الحكم بما أنزل الله تعالى، أو حتى الإسلام بصورة عامة، تعمد تجاهل الإشارة إلى شيء من ذلك عند ذكر ما بني عليه الدستور، لم يقل مثلا: رغبة في امتثال شريعة الله تعالى، أو استكمالا لنظام الحكم الإسلامي، أو إيماننا بحث الإسلام على كذا وكذا ... بل جعل كل منطلقات الدستور مجانبة لأي شيء يمت إلى الإسلام بصلة.
ثانيا: المادة الثانية:
قال واضع الدستور في المادة الثانية: (دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر أساسي للتشريع) .
ثم قال في شرح هذه المادة في المذكرة التفسيرية: (لم تقف هذه المادة عند حد النص على أن"دين الدولة الإسلام"بل نصت كذلك على أن الشريعة الإسلامية - بمعنى الفقه الإسلامي- مصدر رئيسي للتشريع, وفي وضع النص بهذه الصيغة توجيه للمشرع وجهة إسلامية أساسية دون منعه من استحداث أحكام من مصادر أخرى في أمور لم يضع الفقه الإسلامي حكما لها, أو يكون من المستحسن تطوير الأحكام في شانها تمشيا مع ضرورات التطور الطبيعي على مر الزمان, بل أن في النص ما يسمح مثلا بالأخذ بالقوانين الجزائية الحديثة مع وجود الحدود في الشريعة الإسلامية, وكل ذالك ما كان ليستقيم لو قيل"والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع", إذ مقتضى هذا النص عدم جواز الأخذ عن مصدر أخر في أي أمر واجهته الشريعة بحكم مما قد يوقع المشرع في حرج بالغ إذا ما حملته الضرورات العملية على التمهل في التزام رأي الفقه الشرعي في بعض الأمور وبخاصة في مثل نظم الشركات, والتأمين, والبنوك, والقروض, والحدود, وما إليها.