كما يلاحظ في هذا الخصوص أن النص الوارد بالدستور- وقد قرر أن"الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع"- إنما يحمل المشرع أمانة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ما وسعه ذلك, ويدعوه إلى هذا النهج دعوه صريحة واضحة, و من ثم لا يمنع النص المذكور من الأخذ, عاجلا أو آجلا, بالأحكام الشرعية كاملة وفي كل الأمور, إذا رأى المشرع ذلك) انتهى ما في المذكرة التفسيرية.
ومع أن هذه المادة متناقضة مع بعضها، إذ معنى أن دين الدولة الإسلام، أي أنها خاضعة لشريعة الإسلام في كل شيء، لانّ هذا هو معنى الدين، وهو الخضوع، بينما الشطر الثاني قد جعل الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسا فقط، أي يجوز أن يجعل مع شريعة الله، مصدرا آخر للتشريع مستقلا، بديلا عن شريعة الله تعالى في بعض الأمور أو كلها.
مع هذا التناقض، غير أنه أيضا في قوله في المذكرة التفسيرية: (توجيه للمشرع وجهة إسلامية أساسية دون منعه من استحداث أحكام من مصادر أخرى في أمور لم يضع الفقه الإسلامي حكما لها, أو يكون من المستحسن تطوير الأحكام في شانها تمشيا مع ضرورات التطور الطبيعي على مر الزمان, بل أن في النص ما يسمح مثلا بالأخذ بالقوانين الجزائية الحديثة مع وجود الحدود في الشريعة الإسلامية) .
فيه عدة أمور:
1)في قوله: (دون منعه من استحداث أحكام من مصادر أخرى ... ) ، إلى قوله: ( ... الأخذ بالقوانين الجزائية مع وجود الحدود في الشريعة الإسلامية) ، ومعلوم أن هذا هو نفس شرك الأنداد، ويشمله قوله تعالى: {فلا تجعلوا للّه أندادا وأنتم تعلمون} ، كما يشمله قوله تعالى: {اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا مّن دون اللّه} ، وقوله تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدا} ، وغير ذلك من الآيات التي تبين أن من اعتقد جواز استحداث أحكام تخالف الشريعة الإسلامية من مصدر ما، فهو مشرك بالله تعالى، متخذ ذلك المصدر شريكا مع الله تعالى، وندا لله تعالى، وربا مع الله، كما اتخذت النصارى الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، بنص القرآن، وذلك لما أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، وجعلوا آراءهم مصدرا تستقى منه الأحكام المخالفة لأحكام الله تعالى، هذا مع أن طاعتهم لأولئك الأحبار والرهبان كانت طاعة دينية، يظنون فيها أنهم معظمون لدينهم، ومع ذلك جعل الله تعالى طاعتهم تلك اتخاذا للأرباب مع الله، فكيف بمن يفعل مثل فعلهم ولكن في القوانين الوضعية!!!
2)في قوله: (وكل ذلك ما كان ليستقيم لو قيل"والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع", إذ مقتضى هذا النص عدم جواز الأخذ عن مصدر أخر في أي أمر واجهته الشريعة بحكم مما قد يوقع المشرع في حرج بالغ إذا ما حملته الضرورات العملية على التمهل في التزام رأي الفقه الشرعي في بعض الأمور وبخاصة في مثل نظم الشركات, والتأمين, والبنوك, والقروض, والحدود, وما إليها) .