الصفحة 3 من 10

{كلأ إنّ الإنسان ليطغى * أن رّآه استغنى} ، وبقوله: {أرأيت من اتّخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا * أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا} .

وإلى ضلال الإيمان بالمادة المجردة عن الغيب، وإلى الكفر بخالق الطبيعة والمادة، وأنه لم يخلقها لهدف، بل هي في حد ذاتها أوجدت الإنسان وصنعت عقله، كما وصف الله كفرهم هذا بقوله: {وما خلقنا السّماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظنّ الّذين كفروا فويل لّلّذين كفروا من النّار} ، فالسموات والأرض - الطبيعة المادة - خلقها الله تعالى، لحكمة بالغة هي أن تكون موضعا لامتحان الإنسان بطاعة ربه، وامتثال أوامره، لهذا قال تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره * من أيّ شيء خلقه * من نّطفة خلقه فقدّره * ثمّ السّبيل يسّره * ثمّ أماته فأقبره * ثمّ إذا شاء أنشره * كلا لمّا يقض ما أمره} ، وقال: {ألا له الخلق والأمر تبارك اللّه ربّ العالمين} .

عندما انتقل من جاهلية شرك الكنيسة، إلى جاهلية شرك عبادة الهوى، من هنا تولّد المذهب اللاّديني"العلماني"الذي يفصل الدين عن الحياة، ويجعل الإنسان يتخذ هواه إلها، وينصب المادة معبودا، وينبذ الوحي الإلهي وراء ظهره، متمردا على خالقه.

ومن هنا جاء رجال القانون اللاّديني، المعرضون عن وحي الله تعالى، لينصبوا أنفسهم شركاء لله، في تشريع الأحكام، وسن القوانين، ثم يجعلونها دين الجاهليّة المعاصرة، تحل لهم، وتحرم، وتأمر، وتنهى، وتنظم حياتهم كلها، على أساس أن الإنسان إله نفسه، أو على أساس أن تفاعله مع الواقع المحسوس أو الطبيعة أو المادة، هو الرب الذي يرسم نهجه.

هذا ولم تزل البشريّة منذ أن جعلت دين هذه الجاهليّة هو دينها، ونصبته وثنا تسجد له وتركع من دون الله، لم تزل في تيه إثر تيه، وضياع يعقبه ضياع، كما قال تعالى: {بل كذّبوا بالحقّ لمّا جاءهم فهم في أمر مّريج} .

وقد كتبت الدساتير العربية في منتصف وأوائل القرن العشرين، في فورة انتشار هذه العلمانيّة اللادينيّة التي تقدّس العقل والمادة على حساب الوحي الإلهي، وفي غمرة انتفاشها.

ودوّنت تلك الدساتير والقوانين المنبثقة منها، من قبل رجال القانون الذين يؤمنون بهذه الجاهليّة، ويعرفون دينها الباطل على التفصيل، بينما يجهلون شريعة الله تعالى التي أنزلها هدى للناس، ومن منهم يعرفها، فإنه يعرفهأ إجمالا، ثم إنه لا يفقه من حكمها الباهرة الدالة على أنها وحدها التي تصلح الحياة الدنيا مع الآخرة، وتنقذ البشرية من الشقاء، لا يفقه من ذلك شيئا إلا كما قال تعالى: {ومنهم أمّيّون لا يعلمون الكتاب إلاّ أمانيّ وإن هم إلاّ يظنّون} .

وصدق الله العظيم إذ قال: {ولو اتّبع الحقّ أهواءهم لفسدت السّماوات والأرض ومن فيهنّ بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم مّعرضون} ، وإذ قال: فإن لّم يستجيبوا لك فاعلم أنّما يتّبعون أهواءهم ومن أضلّ ممّن اتّبع هواه بغير هدى مّن اللّه إنّ اللّه لا يهدي القوم الظّالمين * ولقد وصّلنا لهم القول لعلّهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت