أضف إلى ذلك كله؛ ما قدمنا من صلاحيات مختلفة ومواد كثيرة شرعوها، تهون من هذه الجريمة وغيرها.
-سواء الحق الذي جعلوه لأميرهم، وهو"العفو الشامل"عن أية جريمة، كما في المادة (75) من دستورهم - وقد تقدمت -
ونذّكر هنا فقط تذكيرًا بحديث المرأة المخزومية، ومحاولة أسامة بن زيد حِبّ الرسول صلى الله عليه وسلم الشفاعة لها، وكيف غضب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك غضبًا شديدًا، وقال مستنكرًا: (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّه؟) ، وقد تقدمت الإشارة إليه.
ونكرر هنا ونؤكد سؤالنا الذي سألناه من قبل:"هل هذا الأمير يستحق أن يقارن بنعل أسامة بن زيد، الذي كان يمس ذات التراب الذي مشى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي تغبر مرارًا في سبيل الله تعالى، ليكون له الحق الذي لم يكن لأسامة نفسه في العفو أو الشفاعة في حدود الله؟".
{أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ولا يجوز بعد ثبوت الحد بالبينة عليه أو بالإقرار؛ تأخيره، لا بحبس ولا مال يفتدى به ولا غيره، بل تقطع يده في الأوقات المعظمة [81] وغيرها، فإن إقامة الحدود رحمة من الله بعبادة ... ) [82] اهـ.
بقي أن تعلم أن عبيد الياسق لم يكتفوا بتعطيل حدود الله تَعَالى في السرقة وغيرها، بل عطّلوا وتلاعبوا حتى في قوانينهم وعقوباتهم الهزيلة هذه التي استبدلوها بالحدود، وذلك عن طريق كثير من القوانين المسهلة والمهونة التي ذكرنا بعضها فيما تقدم، ك"قانون الأحداث"، الذي نص؛ على أن الأحكام لا تطبق على الشاب البالغ العاقل، ما دام لم يتعدّ الثامنة عشرة من عمره ولو بأيام قلائل.
ونضيف هنا مادة أخرى من موادهم المسهلة - المُلَيِّنة - وهي المادة رقم (87) من"قانون الجزاء"، والتي تنص على جواز الإفراج عن كل محكوم عنه بالحبس، قضى ثلاثة أرباع المدة المحكوم عليه.