وأدلَّة كفر المستهزئين كثيرةٌ في الكتاب والسنة منها ما تقدَّم، ومنها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) ، وقوله عز وجل: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) ، وقال عز وجل: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ) إلى قوله: (ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) .
والاستهزاء يكون صريحًا مبيّنًا، وهذا كفرٌ في الظاهر والباطن، يُحكم فيه بكفر من قاله دون استتابة، ويكون بلحن القول الذي يحتمل أكثر من معنًى، فيكفر صاحبه باطنًا ولا يكفر ظاهرًا بل يُستحلف على قصده إن رُفع إلى قاضٍ يحكم بالشرع، ومعنى كفره باطنًا أنَّا نحكم بإسلامه لما ظهر لنا، وإن كان قصد الاستهزاء فهو كافرٌ في حقيقته.
ولحن القول قد يكون بكلام يحتمل الاستهزاء وغير الاستهزاء، أو بكلام واضح في الاستهزاء ولكنه لا يوضح ما استهزأ به، فيحتمل الاستهزاء بالله ورسوله وآياته ويحتمل الاستهزاء بغير ذلك، أو بكلام واضح في الاستهزاء بشخص ولكن يحتمل الاستهزاء بشخصه والاستهزاء بالدين، وأكثر استهزاء المنافقين زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان من لحن القول وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعرفهم به ولكن الحدود والأحكام لا تنزَّل إلاَّ على الأمور البيّنة التي يُحيط بها الشهود وتثبت في الواقع، قال تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) .
ومن الخطأ في الحكم على المستهزئين أن يُحكم بكفرِ المستهزئ بأهل الدين ورجاله من علماء أو مجاهدين أو متصدِّقين دون التفريق بين أمرين:
الأوَّل: الاستهزاء بالدين، أو برجلٍ من أهل الدين لأجل الدين، كمن يستهزئ بالعلماء لأنَّهم علماءُ الشريعة، ومن يستهزئ بذات العلم الشرعي الذي يحمله العلماء، أو من يستهزئ بالمجاهدين لأنَّهم مجاهدون، أو يستهزئ بذات الجهاد في سبيل الله، أو من يستهزئ بعموم علماء الإسلام دون استثناء، أو بعموم المجاهدين وجبهات الجهاد دون استثناء، مما يتعيّن فيه أن المُستهزأَ به هو الدين.
والثاني: الاستهزاء برجلٍ من أهل الدين من جهةٍ غير دينه، كمن استهزأ بعالمٍ أو مجاهدٍ في أمرٍ من صورته أو كلامه أو نحو ذلك من العادات التي ليست من الدين، أو استهزأ بعالمٍ يرى أنَّه ليس عالمًا في الحقيقة، أو أنَّه عالم سوءٍ من الذين حذَّر الله منهم في كتابه، أو استهزأ بمجاهدٍ يرى أنَّه ليس بمجاهدٍ في الحقيقة، أو أنَّ جهاده باطلٌ، فهذا وإن كان يقع في إثمٍ عظيم في بعض الصور إلاَّ أنَّه لا يكفر حتى يكون استهزاؤه راجعًا إلى الدين.