ونزلت في ذلك هذه الآيات: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) .
وقد كان أولئك النفر من المنافقين مؤمنين قبل ذلك، كما قال الله عز وجل: قد كفرتم بعد إيمانكم، وكانوا مؤمنين باطنًا وظاهرًا كما قرَّر وبيّن شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن كان لهم إيمانٌ ضعيفٌ حملهم على الاستهزاء.
وفي القصة أنَّ مرتكب الكفر لا يشترط لكفره أن يعلم أنَّ فعله كفر، وإنَّما يشترط أن يعلم بالتحريم، فهؤلاء المستهزئون لم يعلموا أنَّ هذا كفر، بل ظنُّوا أنَّه ذنبٌ من جملة الذنوب لا يخرج من الإيمان، ولم يقبل الله عز وجل منهم ذلك العذر.
وفيها أن المشارك في الكفر والراضي به والمجالس قائله على وجه يتضمّن الإقرار، كلهم كفَّار، فقد حكم الله في الآية بكفر أولئك النفر الجلوس جميعِهم ولم يستثن منهم أحدًا، مع أن المتكلم أحدهم والبقية يستمعون، وأما الطائفة التي يعفو الله عنها، فقيل هو رجل أنكر عليهم بعض حديثهم، وقيل بل المراد طائفة منهم تتوب ويعفو الله عنها، وطائفة تبقى على كفرها وتُنافق فهي التي تُعذَّب.
وفيها أن من ارتكب الكفر حبط عمله وخرج من الملة ولو كان رجلًا صالحًا، ولو كان له من الأعمال العظيمة ما ليس لآحاد المسلمين، فهؤلاء ذكرهم الله عز وجل بالإيمان، وقد خرجوا في غزوة العسرة التي كانت من أعظم امتحان الله عز وجل لعباده، وقعد عنها المنافقون والثلاثة المخلَّفون، وزكَّى الله عزَّ وجلَّ أهل تلك الغزوة: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) والجهاد أعظم الأعمال، فقد قال الله عز وجل: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ) فإذا لم يكن إيمانهم قبل ارتدادهم، وجهادهم في غزوة العسرة مانعين لهم من الكفر، فكيف بمن ليس له إلاَّ سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، وليس يفعل ذلك من ماله ولا بيده، ويتبعه ألوان المنِّ والأذى؟ عن غير إسلامٍ سبق ذلك، ولا إخلاصٍ دفع إليه، بل هو البطر ورئاء الناس والصد عن سبيل الله.
فأصحاب الأعمال العظيمة، من العلماء والمجاهدين والدعاة والمُنفقين لا يأمنون الكفر ولا يعصمهم ما قدّموه من أعمال عظيمة إذا خرجوا من الملة بقول أو عملٍ أو اعتقادٍ كفريٍّ، بل يجعله الله هباءً منثورًا.