الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فقد ذكر الله عز وجل من صفة الكفَّار استهزاءهم بدين الله عز وجل ورسله وآياته، وحكى عنهم ذلك في غير موضع من كتابه، فحكى استهزاءهم بآياته: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا) ، وقال: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) ، وذكر استهزاءهم بنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) ، وقال: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) ، وبيّن أنَّ استهزاء الكفَّار كان بجميع الرسل وليس بمحمد صلى الله عليه وسلم وحده فقال: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) ، وقال: (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَاتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) ، وقال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَاتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) .
والآيات والنصوص في ذلك أكثر من أن تحصر، فإنَّ الاستهزاء كفرٌ مغلّظٌ وقع فيه أكثر الأوَّلين، فكان كفرهم بالرد والتكذيب، أو بالإباء والاستكبار والامتناع، وأضافوا إليه الاستهزاء بالرسل والرسالات، وذكر الله ذلك عن جميع الأمم الكافرة.
وعدَّ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هذا الناقض سادس النواقض التي جمعها في رسالة نواقض الإسلام، وهو من أعظم النواقض وأغلظها وأكثرها محادَّةً لله ورسوله.
وهذه الصفة من صفات الكفَّار (الاستهزاء) هي أكثر ما يرتدُّ به المرتدُّون من المنتسبين إلى الإسلام في القديم والحديث، وقد حفظ الرواة قصة من قصص الاستهزاء وقعت زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فأخرج ابن جرير وغيره بإسنادٍ جيدٍ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء فقال رجل في المجلس: كذبت ولكنك منافق، لأخبرنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) .