الثاني: ما ظاهره أنه محرم، وسبب استثنائه من التحريم داخل في علوم البشر غير الأنبياء، فيُمكن أن يفعله النبي وغير النبي، وهو خرق السفينة، فلو أن رجلًا علم عن ملك ظالم يغصب السفن، جاز له أن يعيب سفينة غيره لاستنقاذها، وإنما استنكار موسى لأنَّه لم يعلم سبب الاستثناء.
الثالث: ما ظاهره أنه محرم، وسبب استثنائه من التحريم مما لا يُعرف إلا بالوحي، وهو قتل الصبي، فلا يُمكن أن يعرف أحد أن ذلك الصبي سيكفر وتكون مفسدة بقائه أعظم من مفسدة قتله، وأن الله سيبدل أبويه خيرًا منه إلا بوحي من الله عز وجل، فهو حكم شرعي صحيح ولكن لا يُمكن أن يعمل به إلا الأنبياء، وقد يُوحي الله إلى نبي من الأنبياء بسبب إباحة القتل دون الآخر.
والعلة في القتل في جميع الصور الثلاث التي فعلها الخضر علة صحيحة تجري على أحكام الشريعة المعروفة، والفرق إنما هو في زيادة معرفة بالواقع أو بالغيب المستقبل لدى نبي الله الخضر، ومع ذلك فلم يسكت الخضر عن ذلك ويكتمه عن موسى، بل قال له: (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) فأخبره قبل أن يفعل ما فعل أنه سيُبيّن له الأمر ويوضّح له العلل والأحكام.
ولو أن رجلًا فعل ما فعله نبي الله الخضر ثم عُلم منه سبب مُبيح لما فعله سقط عنه الضمان، بل واستحق الشكر والثواب على فعله، بشرط أن يكون ذلك مما يُمكن إثباته بالبينة في حق عامة الناس أما الأنبياء فهم لصدقهم مستغنون عن البينات.
فأين هذا مما يرتكبه زنادقة التصوف من ركوب الفروج المحرمة، وارتكاب المحرمات التي لا يُمكن أن تُباح ثم مع ذلك لا يظهرون علةً تُبيح ما فعلوه ولا جوابًا عما ينتهكون من حدود الله؟!
والمقالات الثلاث سواء في الكفر وقد ظهرت كل مقالة في عصر، وابتُلي بكل فتنةٍ وردة أقوام، نسأل الله الثبات على الحق والهدى والتوحيد والجهاد حتى نلقاه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.