الصفحة 34 من 62

ومن هؤلاء المرتدين من يُجادلون اليوم عن القوانين الوضعية، فيدَّعون أن نظام العمل والعمال الوضعي الطاغوتي وإن كان مأخوذًا عن الغرب إلا أنه لا بد منه لحفظ حقوق العمال، وأن نظام المحكمة التجارية ضروري لأجل مستجدَّات العصر، ويقول بعضهم بلسان حاله، وبعض بلسان مقاله: إن الأحكام الشرعية لا تكفي ولا تفي بمتطلبات العصر ومستجدَّاته، وهذا كفر صريح وتكذيب لله عز وجل القائل: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ، والعجيب أن يجترئ أصحاب هذا الكفر على علوم الشريعة فيحكمون عليها بالنفي وبخلوها من الأحكام في المستجدات، والنفي لا يكون إلا عن علم، وهؤلاء أجهل الناس بشرع الله، وأبعدهم عن معرفة الأحكام وأدلتها وقواعدها واستنباطاتها، ومع ذلك فهم يحكمون بقوانين موضوعة منذ مئات السنين ولم يغير فيها شيء إلا ما لا يُذكر، ولا يرون أن العصر تجاوز هذه القوانين فيبحثون لها عن بديل، بل لا يريدون لها بديلًا، ولا يبحثون عن كفرٍ سواها، وما ذاك إلا تلبيس عدو الله إبليس على أوليائه.

ومن يقول بهذه المقالة ممن يحكم بهذه القوانين الوضعية يجمع كفرين: الكفر العملي بما يحكم به من القوانين الكفرية، والكفر الاعتقادي باستحلاله للكفر وتجويزه له ودفاعه عنه، وقد الشيخ قال محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: وكذلك نكفِّر من زيّن الشرك وأقام الشبهة الباطلة على إباحته، وكفر من يستحل الحكم بغير ما أنزل الله مما يُنازع فيه حتَّى المرجئة.

المقالة الثالثة: من يعتقد أنه يجوز للخاصة، أو للأولياء الخروج عن الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، والعمل بما يسمونه الحقيقة، ويجعلون الشريعة بمنزلة القشر والحقيقة بمنزلة اللُّبِّ، وهؤلاء غلاة الصوفية وهم الذين يستدلون بفعل الخضر مع موسى.

واستدلالهم هو بأن الخضر تصرف بغير ما يقتضيه ظاهر الشرع: فقتل الصبي، وخَرَقَ سفينةَ من أحسن إليه، وكان فعله في الظاهر منكرًا، وفي الباطن عين حكم الله، ولم يلتزم الخضر شريعة موسى التي تقتضي منعه من قتل النفس وتخريب السفينة، ولا استمع إلى إنكار موسى عليه السلام حين قال: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) ، وقال في خرق السفينة: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) .

وهذا استدلال باطل؛ فالخضر أولًا كان أعلم من موسى كما في الصحيحين من حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن موسى وعظ الناس، فذكر الحديث وفيه أن رجلًا سأل موسى أي الناس أعلم؟ قال أنا، فعتب الله عليه أن لم يرد العلم إليه فأوحى إليه: أن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك.

وما فعله الخضر مما أنكره موسى كان لدى الخضر فيه زيادة علم، فإذا قيل إن العلم الذي اختص به الخضر هو علم الحقيقة كما يدَّعون، كان من يدّعي ذلك العلم من أوليائهم ومُمخرقيهم مقدمًا نفسه على موسى في العلم لأن موسى لم يكن يعلم ما علمه الخضر، وإن أُريد علم الشريعة فليس فيه حجَّة لهم في التفريق بين الحقيقة والشريعة وادعاء أن فعل الخضر جرى على علم الحقيقة.

وما فعله الخضر مما جاء في القصة ثلاثة أنواع:

الأول: ما ظاهره أنه جائز لا يحرم، وباطنه أنه عمل صالح، وهو بناء الجدار لأن بناء الجدار ولو لم يكن تحته كنز لأحد جائز مباح، وإنما استنكر موسى ارتكابه لتلك المشقة بلا أجرة، ممن لا يستحق التبرع له بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت