الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فإن من الخطأ في فهم نواقض الإسلام ما يكون خطأً في الاستنباط والاستدلال، ومن ذلك الخطأ في تنقيح المناط الذي كان به المكفر، وفي تحقيق المناط في الصورة المعينة، وهذا الباب من الخطأ شائع كثير عند بعض من يعدون في طلاب العلم وأهل التحقيق والفهم.
ومن الأخطاء الواقعة في ذلك في النواقض، الخطأ الذي يكثر الوقوع فيه عند الكلام على ناقض الاستهزاء بالدين، فيُدخل فيه ما ليس منه، ويُحكم بالكفر على من وقع فيما ليس بمكفر.
والاستهزاء بالله عز وجل، أو برسوله أو بآياته، أو شيء مما يعود الاستهزاء به إلى الاستهزاء بذلك كفر صراح مخرج من الملة، لا يُعذر فيه إلا المكره، أو من استهزأ بما لا يعلم أنَّه من دين الله مما يخفى على مثله.
واستهزاء المنافقين لما قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء، كفر صريح، فهو متضمن للاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو كفر مستقل، وبالقراء حملة العلم وأهل القرآن من أصحابه الذين يُعلم بالضرورة أنَّهم من أهل العلم الصادقين المأمور بتوقيرهم في الشريعة، والذين انتقاصهم من انتقاص الدين.
وكذلك من استهزأ بالصحابة المجاهدين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو استهزأ بجيوش حرب المرتدين، أو جيش اليرموك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معهم، ونحوهم ممن يُعلم من الدين بالضرورة أنَّهم مجاهدون جهادًا شرعيًّا، ويكون الاستهزاء بهم راجعًا إلى أمر من الدين، فمن فعل ذلك فهو كافر مرتدّ.
أما من استهزأ بناس من القراء أو جماعة من العلماء لوصف خاص يختصون به ليس راجعًا إلى الدين أو ليس معلومًا رجوعه إلى الدين، كمن استهزأ بعلماء مذهب من المذاهب، أو بلدة من البلاد، أو دولة من الدول أو حكومة من الحكومات، فإنَّه يفصل في حاله على ما يأتي.
ومثله من استهزأ بجماعة من المجاهدين القدماء أو المعاصرين الذين تدخل الشبهة في حالهم على من لم يعرفهم أو شُبّه عليه أمرهم، كمن استهزأ ببعض الجيوش الأموية أو العباسية أو أفراد منها غير عالم أنَّهم في جهاد في سبيل الله، كمن يراهم مرتزقة للقتال لا يخرجهم إلا الطمع والمال، أو نحو ذلك، وكمن استهزأ ببعض المجاهدين المعاصرين، ولو كان من أئمتهم وقادتهم، أو ببعض جبهات الجهاد، كالمجاهدين في جزيرة العرب أو في العراق أو في الجزائر سددهم الله، ولم يكن استهزاؤه لأجل جهادهم في سبيل الله نفسه، بل لما يظنه عندهم من خلل فيسبهم ويستهزئ بهم من هذا الوجه ويصفهم بالفسوق والضلال ونحو ذلك، فهذا وإن كان مفتريًا جاهلًا ضالاًّ إلاَّ أنَّه لا يكفر إلا على التفصيل الآتي.
وكذلك الحكام والولاة، فمن استهزأ بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وأرضاهم، كان كافرًا مرتدًّا، ومن استهزأ بغيرهم من الولاة الصالحين فلا يحكم بكفره حتى يُعلم أن كلامه يتناول الولاية أمر المسلمين، من حيث هي ولاية لأمر المسلمين.
فليس كل استهزاء بعالم أو بمجاهد أو بوالٍ مسلمٍ كفرًا، ولا كل ذلك ليس بكفر، وإنَّما الكفر من ذلك ما يعود إلى الاستهزاء بالدين وذم شيء مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن أقبح الغلط في هذا ما فعله صالح الفوزان حين جعل الاستماع إلى إذاعة الإصلاح من مجالسة المستهزئين الخائضين في آيات الله، لأنَّها استهزاء بالعلماء وولاة أمر المسلمين يعني طواغيت الجزيرة! وهذا الغلط الشنيع يدلك على ما يوصل إليه الغلط في هذا الباب من مذهب الخوارج.