الصفحة 45 من 62

والاستهزاء بما هو معلوم بالضرورة من الدين كفر صريح لا يُتوقف فيه، أما الاستهزاء بما يُمكن فيه الخفاء من الدين فإنَّما يكفر من قامت عليه الحجة وأصر، والاستهزاء بما اختُلف في كونه من الدين اختلافًا اجتهاديًّا قويًّا، وإن كان غلطًا عظيمًا، إلاَّ أن فاعله إن كان يفعله ثقةً بأحد القولين وأنَّه ليس من الدين لم يكفر بالاتفاق، كمن يستهزئ بالتشديد في أمور الطهارة عند بعض الفقهاء، كمن يقول: الوسوسة في الطهارة حنبلية.

ويقع في هذا بعض من يكفر من استهزأ برجل من المجاهدين أو من قادتهم، أو يكفر من استهزأ بجبهة من جبهات الجهاد بخصوصها، ويظن أنَّ ذلك من الاستهزاء بالدين لأنه استهزاء بالمجاهدين وبالجهاد.

ومثله الغلط في مسألة من اعتقد أن غير هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، فإذا اختار بعض الناس شيئًا من الأمور التي فيها تخيير فيما ليس من الواجبات، كمن يختار تأخير الصلاة عن الوقت الفاضل ونحو ذلك، رأى أنه اختار غير هدي النبي على هديه.

والضابط في هذه المسألة أن من اختار غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاق في عموم المسائل أو في مسألة معينة، فرأى أن شيئًا من السنن تركه خير من فعله، أو أن شيئًا من المكروهات فعله خير من تركه، فقد كفر، أما المحرمات والواجبات فتجتمع فيها عدة مناطات مكفرة إذا رأى فعل المحرم خيرًا من تركه، أو رأى ترك الواجب خيرًا من فعله.

أما من رأى أنَّ فعل المستحب خيرًا من تركه في العموم، ولكنه في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات يرى مرجحًا لتركه، مع كونه في نفسه فاضلًا لولا ذلك المرجح، فلم يرتكب خطأ فضلًا عن أن يكون كفرًا.

وهذا يجري في كثير من النواقض ومن تتبعه ودقق النظر فيه سلم بإذن الله من كثير من الغلط في هذه الأبواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت