الصفحة 46 من 62

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن أصل ما خالف فيه المرجئة أهل السنة، حصرهم الإيمان والكفر بالقلب وما يعتقد أو ما يعمل، وإخراجهم الأعمال عن مسمى الإيمان، أو عن حصول الكفر بها، ولانتشار الإرجاء وكثرة دعاته ومنظريه والمتأثرين به، دخلت على بعض أهل السنة والمنتسبين إليهم شبهات كثيرة منبنية على أصل قول المرجئة دون أن يعلموا أنَّها من مقالة المرجئة، ومن ذلك ما يشترطه كثير من الناس في بعض النواقض من موافقة القلب للجوارح، واجتماع الكفر الاعتقادي مع الكفر العملي فيها، ولهذا مراتب متعددة.

فمن الناس من أخذ بقول الجهميَّة الخلَّص جملةً وتفصيلًا في هذا الباب، كمن يقول إنَّ عابد القبور لا يكفر حتى يعتقد فيها نفعًا أو ضررًا، أو يدعي أنَّ العبادة لا تكون إلاَّ على هذا الاعتقاد، ويمتنع عن تكفير المستهزئ بالدين والساب لله ورسوله ودينه حتى يعلم أنَّه فعل ذلك استخفافًا بالدين أو كرهًا له أو جحودًا لربوبية رب العزة جل وعلا.

وممن يقول بهذه المقالة وينشرها وينصرها رجل من أهل الرياض ممن ينتسبون إلى سلفية الطاغوت وهو من خلَّص الجهمية في باب الإيمان، يرى أنَّ من سجد لغير الله لا يكفر إلاَّ بقصد التقرُّب إلى صاحب الوثن، فلو سجد رجلٌ للات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وهبل وفرعون وهامان، ما كفر على مقالة هذا الجهميِّ حتى يعتقد بقلبه التقرب إليهم واستحقاقهم للعبادة والتقرب والسجود، أما الراغب أو الراهب فهو عنده من الموحدين المسلمين أهل القبلة! وصاحب هذه المقالة يُستتاب ويُبيَّن له الحق وتُقام عليه الحجَّة فإن تاب وإلاَّ فهو من الكافرين.

ومن الناس من لم يبلغ به التجهم والإرجاء هذا المبلغ، ولكنَّه دخل في شيء منه في بعض المسائل، كمن يعذر بعض الكفار بالجهل ويعني جهلهم بأنَّ فعلهم كفر، وهذا القول حقيقته أنَّه لا يكفر إلا من قصد إلى الكفر، لأنَّ من علم بالتحريم وارتكبه ولم يعلم بالكفر مستوجب للشروط ولكنه لم يقصد أن يكفُرَ لأنه لم يعلم أنَّه بما فعل يكفر، أمَّا من علم بأنَّ الفعل كفر وارتكبه عالمًا أنَّه يكفر بذلك فقد قصد إلى الكفر، وإن لم يكن الكفر في ذاته مطلوبًا له، ولكن مطلوبه يتضمن الكفر وهو يريده بما تضمنه من الكفر.

وأما غالب من يقع في هذا الغلط فإنَّما يقع له في مسألتين، هما مسألتا: الحكم بغير ما أنزل الله، وتولي الكافرين، فيشترط فيهما اعتقادًا كفريًّا مخرجًا من الملة.

فالحكم بغير ما أنزل الله، يعده كثير من الناس ناقضًا من نواقض الإسلام تبعًا لما ذكره محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في النواقض، وهو الحق الذي لا ريب فيه، ولكن عند تفصيل هذا الناقض والكلام عليه، يشترط كثير منهم في كفر الحاكم بغير ما أنزل الله أن يعتقد أنَّ فعله صواب وأنَّ الحكم بالقوانين خير من الحكم بما أنزل الله، ونحو ذلك من المكفرات الاعتقادية التي يكفر معتقدها وإن لم يرتكبها.

وفرقٌ بين من لا يعد الحكم بغير ما أنزل الله من النواقض، ومن يعده من النواقض ويشترط فيه هذا الشرط، وهذا الفرق وإن كان يبدو لفظيًّا لغير المتأمل إلا أنَّه فرق معنوي مهم لمن تأمَّله، فالذي لا يعد الحكم بغير ما أنزل الله من النواقض، وإنَّما يجعله من الكبائر كالزنا والربا وشرب الخمر لا يتناقض، ويجعل استحلال الحكم بغير ما أنزل الله أو تفضيله على حكم الله ناقضًا داخلًا في النواقض الاعتقادية كاستحلال الزنا، والحكم العملي بغير ما أنزل الله فسوقًا عمليًّ كالزنا والربا، فأصوله مطردة وهي أصول أهل السنة، وإن خالف مقالتهم في الحكم بغير ما أنزل الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت