الصفحة 54 من 62

الخلط بين الإلهية والأُلوهية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

فإنَّ من أبواب الغلط التي قلَّ التنبُّه إليها في مسائل التوحيد، ولم أجد من نصَّ عليه مع كثرة من يقع فيه، وثمرة هذا الغلط إدخال توحيد الألوهية في توحيد الربوبية، وإخراج العبادة والامتثال وتوحيد الطلب والقصد من أصل معنى لا إله إلا الله، وهذا الخلط الحاصل ليس خلطًا بين الاسمين فحسب بل هو خلطٌ في المسميات والمعاني كما يأتي توضيحه بإذن الله.

والإلهية: مصدر صناعيٌّ من اسم الإله، يُراد به اتّصاف الرب بكونه إلهًا في نفسه، والمعنى استحقاق الرب جل وعلا أن يُعبد وتُصرف إليه وجوه القُربة، واتّصافه بما يُوجب إفراده بالعبادة من الربوبية وصفات الكمال.

والأُلوهيَّة: العبادةُ وصرفُ أنواعها لله عزَّ وجلَّ، وهي بمعنى الإلهة.

فالإلهية صفة من صفات ربوبيَّة الله سبحانه وتعالى، والألوهية هي صرف أفعال العباد التي يستحقُّها الله جل وعلا إليه وحده، فالأولى صفة الخالق والثانية القصدُ إليه بأفعال المخلوقين.

فالإلهيَّةُ صفةٌ من صفات الله عزَّ وجلَّ أمَّا الأُلوهيَّة فأفعال العباد، وعلى هذا فتوحيد الإلهية داخلٌ في توحيد المعرفة والإثبات لا في توحيد الطلب والقصد، ومن فسَّر لا إله إلا الله بمعنى الإلهية فقد قصرها على المعرفة والإثباتِ ولم يُدخل فيها توحيد الطلب والقصد ودخل عليه الخلل من هنا، وكان مفسّرًا لكلمة التوحيد بالربوبية حقيقة.

ومعنى لا إله إلا الله يشمل المعرفة والطلب، فمن المعرفة معرفة أنَّ الله منفردٌ باستحقاق العبادةِ ومن اعتقد هذا الاعتقاد لم يكن موحّدًا لله توحيدًا حقيقيًّا حتى يجمع إلى ذلك عمله به وقصده إليه بأن يُفرد الله وحده بالعبادة ويجتنب عبادة غيره.

وقد نشأ الغلط عند أكثر الناس في هذا الناقض من التعريف المشهور لكلمة التوحيد: لا معبود بحقٍّ إلا الله، فظنُّوا أنَّ معنى الإله في كلمة التوحيد متعلّقٌ بكلمة: "بحقٍّ"، والحق أنَّ معنى الإله هو في كلمة "معبود" أمَّا كلمة "بحقٍّ" فهي قيدٌ لإخراج المألوهات من دون الله، وهذا ظاهر إذا تأمَّلت أنَّ كلمة الإله التي تعني المعبود ليس فيها تخصيص ذلك بالمعبود بحقٍّ ولا دون حقٍّ بل متعلّق بالعابد فمن عبد شيئًا فهو إلهُهُ، أمَّا قولهم "بحقٍّ" في شرح لا إله إلا الله فإنَّما هو إظهارٌ للجواب المقدّر بعد لا النافية للجنس لأن التقدير "لا إله (حقٌّ) إلا الله" وليس داخلًا في لفظ الإله بل هو مقدر في سياق الجملة.

ومعنى لا إله إلا الله مفسَّر في قول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إلاّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ؛ فتبرأ إبراهيم من الآلهة المعبودة من دون الله ولم يتولَّ إلا الله وجعل هذا الأمر كلمةً باقيةً في عقبه وهي كلمة التوحيد على أصحِّ القولين، فليست مجرّد التكذيب بالآلهة أو اعتقاد استحقاق الله للعبادة، بل هي البراءة الفعلية من كل ما يُعبد من دون الله، فهذه هي الكلمة التي عليها مدار الدين وهي أصل الإيمان واليقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت