وخذ فساد هذا القول والغلط من فساد لوازمه الأولية البدهية، فإنَّه لو اقتُصر على تفسير لا إله إلا الله بمعنى الإلهية لزم كون إبليس مؤمنًا فإنَّه يعتقد ويقرُّ بأنَّ الله سبحانه هو وحده المستحقُّ للعبادة، ويعلم أنَّ ما يفعله ويدعو إليه ضلالٌ مبينٌ وغوايةٌ، ومع ذلك فإنَّه كافرٌ بالله غير موحِّدٍ ولا يقول أحد من أهل الإسلام إنَّ إبليس ممن يشهد أن لا إله إلا الله فضلًا عن كونه من الموحدين، فكذلك كل من أقر باستحقاق الله عز وجل للعبادة ثم أعرض أو استكبر أو عبد غير الله معه ولو معتقدًا بطلان ما يفعل.
وكذا لو أنَّ رجلًا عبد الأصنامَ وسجد لها من دون الله ودعا الكواكب والنجوم، وكان معتقدًا أنَّ الله هو مستحق العبادة وحده، ولكن باع دينه بعرض من الدنيا وعبد غير الله لرغبةٍ أو رهبةٍ، فإنَّه يبقى موحّدًا على تفسير التوحيد بالإلهية دون الأُلوهية، وإجماع الموحدين على كفر من هذه حاله، ومثله من كان يقر باستحقاق الله العبادة وحده، ثم يسبه جل وعلا فإذا سُئل قال إني لا أعتقد ما أقول وإنَّما أخوض وألعب وأقطع عناء السفر وطول الطريق.
ولهذا يقول الأنبياء فيما حكاه الله لنا من دعواتهم: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ، وحكى عن عيسى: (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) ، وفي آخر المائدة: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) ، وعن نوح: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ، (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ، (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ، (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ، ومثله عن غيرهم من الأنبياء والرسل، وكانت هذه دعوة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم.
فتأمَّل دعوة هؤلاء الأنبياء إلى لا إله إلا الله، وكيف أنَّهم فسّروا معنى كلمة الإله بفعل الأمر الذي يقتضي الامتثال والعمل، فليس الأمر مجرد استحقاق الله أن يُعبد بل الألوهية حقيقة عبادته كما دعا إليه الأنبياء والرسل جميعًا.
ويتفرَّع على هذا أنَّ الأولى في تفسير لا إله إلا الله، ألاَّ يُقال: نفي لعبادة غير الله، وإثبات لعبادة الله وحده، وإن كانت الصيغة النفي إلاَّ أنَّ ما تضمَّنه اسم الإله من الفعل يرجّح أن يعبّر بالنهي فيُقال: للا إله إلا الله ركنان: الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة غيره، فإنَّ الصيغة وإن لم تكن صيغة نهي فقد تضمَّنت ذلك والنهي أوفى بمعنى لا إله إلا الله من النهي.
وهذا الذي قدَّمنا من لزوم تفسير لا إله إلا الله بعبادة الله وترك عبادة غيره لا مجرد استحقاقه وحده -سبحانه- العبادة هو معتقد أهل السنة في باب الإيمان، حيثُ يعتقدون الإيمان قولًا وعملًا واعتقادًا، أما تفسيرها باستحقاق العبادة فهو اعتقاد فحسب.