قبل الشروع بأحكام الولاء والبراء وُمقتضياته، لا بُدّ لنا من معرفة معنى الولاء والبراء."فالولاء يعني النّصرة والمحبّة والإكرام والكون مع المحبوبين ظاهرا ًوباطنًا". أمّاالبراء فمعناه البعد والخلاص والبغض والعداوة، بعد الإعذار والإنذار، لأعداء الدين.
"الولاية ضدّ العداوة، وأصل الولاية: المحبّة، وأصل العداوة: البغض والبُعد ..." [الفرقان: لابن تيمية]
وممّا يؤسف له أنّ كثيرا ًمن النّاس جهلوا معنى هذا الأصل الأصيل والرّكن الرّكين، حتى باتوا مُعرضين عن دين الله تعالى، فلا يطلبون العلم الذي به نجاتُهم، ولا يَقبلون من أهل التوحيد ـ العارفين والعالمين بحقيقة منهاج النّبوّة ـ نصيحة، بحجج شتى ـ لبّس فيها الشيطان على هؤلاء المُفرّطين ـ بأنّ هؤلاء الموحّدين مُتشدّدون ... مُتنطعون ... تكفيريّون ... وما إلى هنالك من أوصاف تعلّموها من رائدهم إبليس وأعوانه. لقد حرّم الله تعالى مُوالاة أهل الكتاب، فقال: {ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم} [المائدة:51] ، فحكم سبحانه وتعالى بالكفر على كلّ من يواليهم، وإن كان مُتوليهم من الذين آمنوا، حيث يعتبر ذلك من نواقض الإيمان. وقال تعالى في موالاة الكافرين عموما ً: {يا أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تُلقون إليهم بالمودّة ... } [الممتحنة:4] . بل أكثر من ذلك، لقد حرّم الله تعالى موالاة الكافرين ولو كانوا من أقرب المقرّبين إلى المرء المسلم نسبا ً، قال تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ِاستحبّوا الكفر على الإيمان، ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظّالمون} [التوبة:23] .
وكما أنّ الله تبارك وتعالى حرّم موالاة الكفّار، أعداء العقيدة الاسلامية، فقد أوجب سجانة موالاة المؤمنين ومحبتهم، قال تعالى: {إنّما وليّكم الله ورسوله والذين أمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزبَ الله هم الغالبون} [المائدة:55]
وقال تعالى: {محمّد رسول الله والذين معه أشداءُ على الكفار رحماءُ بينهم} [الفتح:29]
وقال تعالى: {أذلّة على المؤمنين أعّزة على الكافرين} [المائدة:54]
فالمؤمنون إخوة في الدين والعقيدة وإن تباعدت أنسابهم وأوطانهم وأزمانهم، قال تعالى: {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا إغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر:10]
يقول ابن عتيق رحمه الله: (إنّه ليس في كتاب الله تعالى حكم ٌ فيه من الأدلّة أكثرَ ولا أبينَ من هذا الحكم ـ أي الولاء والبراءـ بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده) .
كيف الخلاص وما هو طريق النجاة بعدما تقبّل المسلمون لباس العبودية العقلية الذي خلعته عليهم المدنية الأجنبية (الغربيّة) الآسنة؟ لقد مُسخت مفاهيم كلمة التوحيد، حتى صار من يقرّ بتوحيد الربوبية فقط ـ كما كان مشركو الأمس- دون توحيد الألوهية يعتبر موحدا ً عند كثير من الناس، أما كون"لا إله إلا الله"ولاء وبراء، أمّا كونها توحيد ألوهية وعبادة: فهذه معان ٍ لا تخطر على أذهان الكثيرين- إلا من رحم الله يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (إن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحّد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين) ، كما قال تعالى: {لا تجد قوما ً يؤمنون بالله واليوم الآخر يُوادّون من حاد الله ورسوله} [المجادلة:22]
وهدفي من هذه الرسالة، إبراز حقيقة الإسلام وحقيقة ما يناقضه في باب الولاء والبراء، إذ من المحال أن تكون هناك عقيدة سليمة دون تحقيق الموالاة والمعاداة الشّرعيّة.