فهرس الكتاب
يوضح الله الحق للإنسان ويدركه الإنسان ولو لفترة قصيرة. لكن الإنسان إذا تعامى وآثر الدنيا وحظوظ النفس أو استكبر مَرِض قلبه فنسي هذا اليقين الذي تبدى له. يدل على ذلك قول الله تعالى: (( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون(110 ) ))
فليحذر امرؤ أن يتعامى عن حق ذاق طعمه لحظة وإلا فقد ينساه بقية حياته.
ومنها قول الله تعالى:
(( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) )وقوله تعالى:
(( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله ) )وقوله تعالى:
(( لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ) )أي أن بناء المنافقين لمسجد الضرار أورثهم شكا ونفاقا في قلوبهم. ولهذا فعلى المرء أن يحذر من فعل معصية قد تزيد مرض قلبه وشكه ما دامت آثارها قائمة مع أن صاحبها قد يكون نسيها فلا ينتبه إلى هذا المصدر من مصادر مرض قلبه.
ومن أدلة السنة النبوة على أن المعاصي تورث مرض القلب وبالتالي الشك في الدين قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، طبع الله على قلبه، وجعل قلبه قلب منافق ) ) (أخرجه أبو يعلى والبيهقي وقال ابن حجر: رجاله ثقات، وصححه ابن المنذر وحسنه الألباني) .
وكذلك حديث عرض الفتن على القلوب كعرض الحصير وحديث الران. وهذه الآيات والأحاديث تدل على أن فتنة الشهوة تقود إلى فتنة الشبهة، وأن المعاصي تخدش العقيدة. فلا يغترن امرؤ بقوله أنه وإن كان مقيما على معصية إلا أن إيمانه في قلبه كامل. ومن ظن أن بإمكانه الإسراف على نفسه من المعاصي دون أن يتأثر إيمانه بأدرانها فقد وقع بظنه هذا في كبيرة جديدة، وهي الأمن من مكر الله تعالى القائل:
(( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) )وشر فتنة أن تمرض قلوبهم لمخالفتهم أمر الله ورسوله فيصيبها كفر أو نفاق.
فمن ظن نفسه مفلتا من هذه العقوبة، وفعل المعصية وهو يقول: لن يعاقبني الله بمرض القلب يكون قد انطبق عليه قول ابن مسعود رضي الله عنه: (( الكبائر: الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله ) )
فمحصل المسألة أن المعصية تقود إلى مرض القلب، والذي بدوره يقود إلى الشك في الدين، والشك بدوره يقود إلى الصفات النفاقية الأخرى