الصفحة 28 من 59

وهذا في المنافقين طبع خسيس وخُلق رخيص. فإن المنافق لما كانت حساباته أرضية طينية، فإنه ينظر إلى كفة من مال ميزان القوى ... فإن طاشت كفة أوليائه تنكر لهم، وأعطاهم دبره وحالف ضدهم وساعد عليهم كأن لم تكن بينه وبينهم مودة. فلا يظنن ظان أن موالاته للكفار مرتكزة إلى ركن وثيق، بل هي المصلحة الأرضية المادية- جمع القروش وملء الكروش. فالمنافق لا يفهم معنى الوفاء لوليه والمروءة والشهامة والنبل والنخوة والنجدة ... ومن استثار فيه هذه المعاني كان كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.

قال الله تعالى:

(( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ولئن قوتلتم لننصرنكم ) )

هكذا المنافق! وعود عريضة وجرأة عظيمة فيما يبدو ... لكن الله بين كذبهم:

(( والله يشهد إنهم لكاذبون(11) لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (12 ) ))

فبمجرد أن يذهب مجد الكافرين تظهر خسة المنافق ونذالته ... ثم بين الله تعالى السبب فقال:

(( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ) )

فالمنافق لمَّا والى الكافر ما استحضر أمر الله ونهيه ... ولمَّا ترك هذه الموالاة ما تركها لله وإنما خوفا من المؤمنين. فهو لم يذكر الله على كل حال! (( ذلك بأنهم قوم لا يفقهون(13 ) )).

والمنافق في ذلك أخس من الكفرة. ففي غزوة بني قريظة التي نزلت فيها هذه الآيات أوفى حيي بن أخطب لبني قريظة بوعده أن يدخل معهم في الحصن ولم يوف المنافقون بوعد النصرة.

-والمنافق يعتبر من الحكمة أن يتقلب ويميل مع الريح حيث تميل. قال الله تعالى واصفا المنافقين:

(( الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ) )

فهم مع المنتصر أيا كان. وكأني بالمنافق يمشي مخبولا يحك إسته ويسيل لعابه حاملا في يده صحنا يدور باحثا عن المنتصر يستجديه أن يملأ الصحن طعاما ... إن قلتَ له:"رضوان الله"،"الجنة"،"الغيرة على الدين"... فتح فمه ببلاهة ونظر إليك نظرة من لم يفهم شيئا ثم تولى عنك وهو يقول: (وهل تملأ هذه صحني؟) !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت