الصفحة 35 من 59

غيب يومئذ! قد عاين المنافق صدق ما كان يشك فيه وعلم أن الله هو الحق المبين. أمع هذا كله لا زال يكذب، بل يحلف كذبا! وليخادع من؟! ليخادع الله تعالى!

(( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون للا ه كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون(18 ) )) (المجادلة) . فبالهيئة المبتذلة نفسها يحلفون ويحسبون أن ذلك ينفعهم مع من يعلم السر وأخفى.

فالمنافق ما وصل إلى هذا المستوى الدنيء إلا بكثرة تدربه على الكذب في الدنيا ... أدمن الكذب بل الحلف على الكذب فاستقر ذلك في قلبه ولم يبل مع الدفن وتعاقب القرون قبل البعث.

قد كانوا في الدنيا كما وصفهم الله تعالى:

(( وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون(76 ) )) يُقر فريق من منافقي اليهود بأن الله تعالى قد بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا ويذكرون نعته في التوراة المطابق للواقع، فيلومهم فريق آخر لأن هذا الإقرار يقوي حجة المؤمنين على المنافقين أمام الله يوم القيامة. بل ويشتد هذا الفريق في النكير حتى يقول للأولين: (أفلا تعقلون!) . وكأنهم يتكلمون عن إله غائب لا يسمعهم في هذا الحوار، بل ولن يطلع على ما في صدورهم حتى ولا يوم القيامة! إنما كل همهم أن يستطيعوا الكذب عليه يوم القيامة وأن يقنعوه بضعف حجة المؤمنين! وهذا عندهم العقل كل العقل!

فقال تعالى معجِّبا من سفاهتهم:

(( أوَلا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون(77 ) ))

وهذا القدر من الانحراف يحتاج تدربا طويلا على الكذب. فمخادعة للنفس. ثم مخادعة للناس، ثم مخادعة لله في الدنيا، ثم مخادعة لله يوم القيامة. وما ذلك إلا لأن قلوبهم قست ففقدوا الشعور:

(( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) )

اللهم فاعصمنا من الانحطاط في هذه الدركات.

الصدق تدل عليه الأعمال، وعلى رأسها الجهاد:

فالدعاوى يستطيعها كل أحد، أما الأفعال فلا يثبت عليها إلا الصادقون، خاصة إذا كان فيها التضحية بالنفس والمال كما في الجهاد. لذلك تجد في سورة براءة أن الله تعالى فضح المنافقين وبين تخاذلهم عن الجهاد ثم قال تعالى:

(( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين(119) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ))فالمؤمن الصادق يبرهن على صدق إيمانه بألا يضن بنفسه عن تضحية ضحاها رسول الله. وألا يتناءى بها عن معاناة ومشقة عاناها رسول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت