فهرس الكتاب
فما بالك بمن هو في الدرك الأسفل من النار؟! لن يفرحوا يومئذ بمقعدهم، ولعل المؤمنين يقولون لهم يومئذ وهم يضحكون: لا تنفروا في الحر! فها قد أتاكم إلى عندكم!
وانظر كيف قال الله تعالى: (( فرح المخلفون ) )... وهذا فارق بين المؤمن والمنافق. فإن المؤمن قد يقع في معصية لشهوة، لكنه بعد مقارفتها يندم عليها ... كما وقع من كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم عندما تخلفوا عن تبوك.
3)وتارة يتعلل من في قلبه نفاق بعدم مناسبة الوقت للجهاد. فما زال لديه طموح وخطط مستقبلية لا يحب أن تقطعها المنية. ولا زال يرى في نفسه إمكانيات ينبغي أن تُستغل لـ"صالح البشرية". فهو صاحب عقلية ومواهب ... خسارة أن تضيع بضربة سيف أو رمية رمح! قال الله تعالى:
(( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا(77 ) ))
وقد روى النسائي وغيره بسند صحيح عن ابن عباس ما يدل على أن هذه الآية شملت بعض الصحابة الصادقين الذين تمنوا الجهاد حقا لكنهم ضعفوا عند فرضه عليهم. لكن شتان بين هؤلاء الصحابة والمنافقين. فإن هذا الفريق من الصحابة وإن كبا كبوة عارضة إلا أنهم بعد تذكير الله لهم استجابوا لله وللرسول فنهضوا شجعانا ولم يتخلفوا عن رسول الله بعدها ومسحوا هذه الزلة العارضة بتاريخ أبيض ناصع من الصبر والثبات غازين ومغزوين، لم يؤثَر عنهم بعدها (ليت) ولا (لو) ولا (لولا) . وخير الخطائين التوابون.
أما المنافقون فإنهم لما دنت المواجهة وفرض القتال ضرب الخوف أطنابه في قلوبهم ... فخشوا الناس أكثر من خشية الله وبقوا معترضين على قدر الله وأمره متسخطين عند كل اختبار قائلين في أنفسهم: (ربنا لِمَ كتبت علينا القتال؟) ! وأكبر همهم أن يتواروا عن أعين المؤمنين فلا يُعلم نكوصهم عن الجهاد فإن خرجوا إليه كارهين فإنهم لا يأتون البأس إلا قليلا. وفي قتالهم هذا: (( وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ) )أي من اتباعنا دين محمد.
ويبقى هذا الجبن والتسخط في قلب المنافق إلى أن يموت.
4)وتارة يتعلل ببعد المسافة عن أرض الجهاد:
(( لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ) )
فما عند المنافق من إيمان لا يكفي إلا لمسافة قصيرة ... وبعد هذه المسافة ينفد وقوده الإيماني! ويا حبذا لو كان المنتظر من هذا الجهاد القريب غنيمة تستحق الخروج. فـ"جنة عرضها السماوات والأرض"لا تفعل في نفس المنافق فعل درهم أو قطيفة.