الصفحة 58 من 59

فجوابه المعد على الفور: (ما البديل؟) ! البديل الصبر على فوات هذه المصلحة ... البديل التقنُّع بما عند الله تعالى ... ولكن المنافقين لا يفقهون.

ولينظر كل منا في نفسه ... هل إذا قيل له كُفَّ عن هذا الحرام قال نعم، ولا بد من التضحيات. أم يقول ما البديل فيكون في قلبه نفاق؟

وأود هنا أن أنقل عبارات عظيمة لابن القيم يصف بها داء سوء الظن بالله، وهذا الداء قرين النفاق في قلوب لم تعرف حق ربها عز وجل، فافترضت أن لها على الله"واجبات". فإن أُنقصت شيئا من هذه الـ"واجبات"ساء ظنها بربها، وخرج ما كان في هذه القلوب من قيح وصديد وحثالة فظهر على فلتات الألسن. ولا والله لا يكون هذا من قلب صفا وده لربه وعَظَّم قدره. قال ابن القيم:

فأكثر الخلق بل كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق ناقص الحظ وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله ولسان حاله يقول ظلمني ربي ومنعني ما أستحقه ... وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به. ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها رأى ذلك فيها كامنا كمون النار في الزناد فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده ولو فتشت من فتشته لرأيت عنده تعتبا على القدر وملامة له واقتراحا عليه خلاف ما جرى به وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا فمستقل ومستكثر. وفتش نفسك هل أنت سالم من ذلك؟

فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا

فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع وليتب إلى الله تعالى وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء ومنبع كل شر ... فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين الغني الحميد الذي له الغنى التام والحمد التام والحكمة التامة المنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه ... وأفعاله كذلك كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل وأسماؤه كلها حسنى

فلا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل

ولا تظنن بنفسك قط خيرا ... وكيف بظالم جان جهول

وقل يا نفس مأوى كل سوء ... أيرجى الخير من ميت بخيل

وظن بنفسك السوآى تجدها ... كذاك وخيرها كالمستحيل

وما بك من تقى فيها وخير ... فتلك مواهب الرب الجليل

وليس بها ولا منها ولكن ... من الرحمن فاشكر للدليل

(من زاد المعاد بتصرف)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت