الصفحة 9 من 59

من النار لهذه الصفات. وخرجوا من هذا الاستشكال بتأويلات كاعتبار النفاق المذكور نفاقا عمليا لا اعتقاديا. وبالتالي فهو ليس نفاقا مخرجا من الملة.

غير أننا في هذا الكتاب لا نتعرض لهذا التفريق بين النفاق الاعتقادي والنفاق العملي لأن هذا التفريق إنما يحسن ذكره لمنع المسلمين من الوقوع في الإفراط بتكفير من تلبس بشيء من هذه الصفات. ونحن في هذا الكتاب لسنا نتصدر للحكم على من تلبس بصفة نفاق بالكفر أو الإيمان الحكمي أو الحقيقي، فهذا مبحث يحتاج إلى مزيد علم واستفصال. إنما نحن هنا معنيون بالزجر عن صفات النفاق، فيحسن في مثل هذا المقام أن نطلق النفاق كما أطلقه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ليكون الزجر كما أريد له، ولئلا تركن النفوس وتقل نفرتها عن صفات المنافقين إن قيل إن هذه الصفة أو تلك نفاق عملي لا يخرج من الملة.

ج) روى الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر وقلب أغلف مربوط على غلافه وقلب منكوس وقلب مصفح فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره وأما القلب الأغلف فقلب الكافر وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه) (قال ابن كثير في إسناده: وهذا إسناد جيد حسن. وضعفه الألباني) . فانظر كيف أنه عليه الصلاة والسلام فرَّق بين المنافق الخالص والقلب الذي جمع إيمانا ونفاقا يتغالبان.

ولذا قال ابن كثير في تفسير أوائل سورة البقرة: ( ... ومنافقون، وهم قسمان: خُلَّص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لمع الإيمان وتارة يخبو، وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالا من الذين قبلهم) اهـ.

ويقصد بالمثل الناري قوله تعالى (( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) )والمثل المائي (( أو كصيب من السماء ) ). ويقصد بقوله: تارة يظهر لهم لمع الإيمان قوله تعالى (( كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ) ). وهذا الصنف المتردد نراه في واقعنا من أناس يتكلمون بكلام المتشككين في شرائع من شرائع الإسلام كتعدد الزوجات والحدود وميراث المرأة. لكنهم إن أوقع أعداء الإسلام بالأمة ظلما جديدا أحسوا بأنهم مستهدفون وزاد تمايز الحق عندهم من الباطل فقوي إيمانهم وأظهروا على الدين غيرة. لكنهم ما يلبثون أن يعودوا إلى ما كانوا فيه من تشكك وريبة.

وههنا تنبيه. وهو أنه ليس شرطا أن ينطبق النص في المنافقين بكامل جزئياته على أحدنا حتى يشعر أنه يخاطبه. وبالتالي فإذا قرأ قارئ آيات تصف المنافقين وأحس بداية بانطباق الصفات عليه ثم جاءت صفة في الآيات لا تنطبق فلا ينبغي أن يشعره ذلك أن الآيات لا تعنيه. بل له من الوعيد ومن تحقق اسم النفاق فيه بقدر انطباق الآيات عليه، وله من الإيمان بقدر مخالفتها لحاله.

تجد مثل هذا الفهم في تعامل الصحابة مثلا مع الآيات التي تصف الكفار. ففي الحديث الذي رواه الحاكم وقال فيه الذهبي في التلخيص (على شرط البخاري ومسلم) أن سعدا رضي الله عنه إستأذن على ابن عامر و تحته مرافق من حرير فأمر بها فرفعت فدخل عليه و عليه مطرف خز فقال له: استأذنت علي و

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت