فهرس الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومن والاه.
أما بعد،
فإن التجنس بجنسية أمة غير مسلمة على نحو ما في السؤال هو تعاقد على نبذ أحكام الإسلام عن رضا واختيار، واستحلال لبعض ما حرم الله، وتحريم لبعض ما أحل الله، والتزام قوانين أخرى يقول الإسلام ببطلانها، وينادي بفسادها. ولا شك أن شيئًا واحدًا من ذلك لا يمكن تفسيره إلا بالردة، ولا ينطبق عليه حكم إلا حكم الردة، فما بالك هذه الأربعة مجتمعة في ذلك التجنس الممقوت .. ؟
1 -إن الله تعالى يقول في نبذ أي حكم من أحكام الشريعة: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا { [النساء: 65] .
2 -ويقول جل شأنه في النسيء، وهو من جملة استحلال الحرام وتحريم الحلال: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين} [1] [التوبة: 37] .
3 -ويقول تعالى فيمن التزم شريعة أخرى غير الإسلام: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] ، أضف إلى ما سبق أن التجنس المذكور فيه موالاة للكفار، ونصرة لهم على المسلمين، وفيه تعاقد على أن هذا المتجنس يقف في صف الأمة غير المسلمة -إذا نفر النفير- ولو ضد أمة إسلامية.
ومثل هذه الموالاة ينعي الله على أصحابها، ويعتبرهم من جملة من والوهم، ويسميهم بالظلم، ويتوعدهم بأنه لا يهديهم، ويصفهم بمرض القلوب وبالجبن والخوف، ويفنّد مزاعمهم في احتجاجاتهم الباطلة، وينادي على لسان المؤمنين بحبوط أعمالهم وبخسرانهم، ثم يحكم أخيرًا سبحانه بردتهم، وينذرهم بالفناء والزوال وأن يستبدل بهم قومًا خيرًا منهم، قال جلّ ذكره في بيان ذلك كله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين} [المائدة: 51 - 54] .
ثم إن التجنس الفرنسي المذكور؛ فيه -فوق ما ذكر- مودة لدولة تحادّ الله ورسوله، وتشاقّ المسلمين، وتستعمر ديارهم قوة واقتدارًا، وتذيقهم كأس الظلم والإرهاق ألوانًا، وتعمل على تنصيرهم بكل الوسائل والحيل، والله جلت قدرته يقول: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] .
(1) النسيء في الآية الكريمة معناه تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر، وقد كان العرب إذا جاء شهر حرام وهم يحاربون أجلوه وحرموا مكانه شهرًا آخر، فأنزل الله تعالى هذه الآية نهيًا لهم عن هذا النسيء، وبيَّن لهم أنه زيادة في الكفر؛ لأنه تحليل ما حرمه الله وتحريم ما حلله، فهو كفر مضموم إلى كفرهم.