الصفحة 6 من 15

قدم أحد التونسيين إلى حضرة الأستاذ الشيخ يوسف الدجوي من هيئة كبار العلماء في مصر السؤال الآتي:

س: ما قول سادتنا العلماء أمتع الله بهم الأمة في رجل مسلم تجنس بجنسية أمة غير مسلمة اختيارًا منه، والتزم أن تجري عليه قوانينها بدل أحكام الشريعة الغراء حتى في الأحوال الشخصية كالنكاح والطلاق والمواريث، ويدخل في هذا الالتزام أن يقف في صفوفها عند محاربتها ولو لأمة إسلامية، فهل يكون نبذه لأحكام الشريعة الإسلامية والتزامه لقوانين أمة غير مسلمة طوعًا منه ارتدادًا عن الدين؟ وتجري عليه أحكام المرتدين، فلا يُصلى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، أو كيف الحال؟

وإذا كان خلع أحكام الشريعة من عنقه والتزامه لقوانين أمة غير مسلمة ردة، فهل ينفعه أن يقول بعد هذا الالتزام إن مسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟

أفتونا أعلى الله بكم كلمة الدين وجعلكم من العلماء المرشدين الراشدين.

أحد التونسيين النازلين بمصر

فأجاب فضيلة الأستاذ بما يأتي:

ج: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه.

وبعد،،،

فقد قرأ شيئًا عن هذا الموضوع؛ موضوع التجنس بالجنسية الفرنسية الذي يشير إليه حضرة السائل في سؤاله، وفي تونس الآن حركة تدمي القلوب وتفتت الأكباد، وما يراد بتلك الحركة وأمثالها -كالظهير البربري المعروف- إلا محو الإسلام من تلك البلاد ذات التاريخ المجيد في خدمة الدين والعلم بما أنجبت من أكابر الفضلاء وفحول العلماء، وإنه ليجب على المسلمين أن يتيقظوا لما يدبر لهم في الخفاء، وما يراد بهم من الأعداء الذين لا يألون جهدًا في الكيد لهم والتفنن في وسائل الإيقاع بهم، والعمل على إخراجهم من دينهم واستعبادهم في أوطانهم، والسير بهم في طريق يؤدي إلى الكفر لا محالة، وقد استعملوا لذلك ضروب الحيل وشتى الوسائل، ولقد مر بنا من الحوادث ما فيه مزدجر، وقام على سوء نيتهم وكذب دعاويهم ما فيه عبرة لأولى الألباب.

إن التجنس بالجنسية الفرنسية والتزام ما عليه الفرنسيون في كل شيء حتى الأنكحة والمواريث والطلاق، ومحاربة المسلمين والانضمام إلى صفوف أعدائهم معناه الانسلاخ من جميع شرائع الإسلام، ومبايعة أعدائه على ألا يعودوا إليه ولا يقبلوا حكمًا من أحكامه بطريق العهد الوثيق والعقد المبرم (وهل بقى بعد هذا من الإسلام شيء؟!) . وإن هناك فرقًا كبيرًا بين من تسوقه الشهوات بسلطانها الشديد إلى الزنا وشرب الخمر مثلًا؛ وبين من يلتزم هذه الأشياء مختارًا لها على شرائع الإسلام التي نبذها وراء ظهره وأعطى على نفسه العهود والمواثيق ألا يعود إليها، فإن صاحب الشهوة يفعل ما يفعل بمقتضى سلطانها الطبيعي القاهر، وهو يتمنى أن يتوب الله عليه، فهو معتقد قبح ما يفعل وسوء مغبته، وربما كان قلبه ممتلئًا بمحبة الله ورسوله كما قال -صلى الله عليه و سلم- لأصحابه عندما لعنوا ذلك الذي حد في الخمر مرارًا: (لا تلعنوه فإن يحب الله ورسوله) ، فمثل هذا يوشك أن يندم على ما فعل ويتوب مما اقترف.

وأما حليف الفرنسيين الخارج من صفوف المسلمين طوعًا واختيارًا مستبدلًا لشريعة بشريعة، وأمة بأمة، مقدمًا ذلك على اتباع الرسول بلا قاصر ولا ضرورة، فلا بد أن يكون في اعتقاده خلل وفي إيمانه دخل، وإذا حللنا أحواله القلبية ونزعاته النفسية وجدناه منحل العقيدة، فاسد الإيمان، فهو من وادي من قال الله فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60، 61] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت