فهرس الكتاب
وهذه الظواهر التي تدل على فساد البواطن ينبغي أن لا نتغافل عنها ولا عن ما صاحبها من تلك القرائن التي تنطق بالبعد عن حقائق الإيمان، وتدل على سوء المقصد وقبح الغاية، ولله در المالكية في نظرهم البعيد حيث لم يقبلوا التوبة من الزنديق الذي قامت القرائن على كذبه في دعوى الإسلام، وإن لذلك مدى كبيرًا في نفسي؛ فقد كان لهم من بُعد النظر وحسن السياسة للشريعة المطهرة ما يعرفنا أنهم بالمحل الأول من الحكمة واليقظة، ولولا ذلك لكان الإسلام لعبة في يد هؤلاء الزنادقة، ولكان المسلمون لديهم مثال الغفلة والبلاهة والجهالة، فما أسرع ما كانوا يهزؤن بهم ويسخرون من عقولهم، وقد رأينا ذلك في ملاحدة مصر، حيث يأتي الرجل بالكفر الصريح والإلحاد المكشوف والإقذاع الفاحش ثم يكتب على صفحات الجرائد أنه يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر.
ويقول بعض ذوي العقول السليمة من العلماء: أنه إن كان كفر بالأمس فقد أسلم اليوم ولم يدر أننا صيرنا الإسلام بذلك هزءة الهازئين، وسخرية الساخرين، وأضحوكة الزنادقة والملحدين، فجزى الله المالكية عن الإسلام خيرًا، فما أوسع نظرهم وأعرفهم بتلك النفوس الخبيثة ومقدار تفسها في الخبث والدهاء -وما أعظم استعدادها لأن تظهر بكل لون وتتشكل بكل شكل-.
على أننا لو تنزلنا غاية التنزل فلسنا بشك في أن هؤلاء المتجنسين بالجنسية الفرنسية على أبواب الكفر سلكوا أقرب طريق إليه، وليس يخفى ضعف النفوس وتأثرها بما تعتاده وتألفه، فهي طريق موصلة لغايتها توصيلًا طبيعيًا لا محالة، وقد رأينا المدنية الأوروبية وما فعلت بنا، والتقاليد الغربية وما أفسدت من أبنائنا، الذين سارت بهم مسيرًا تدريجيًا في طريق الفساد الذي قضى عل الدين والآداب والأخلاق قضاءً مبرمًا، ومما لا شك فيه أن أبناء أولئك المتجنسين لا بد أن يكونوا خلوًا من الإسلام، برآء من ذويه لا يعرفون غير الكفر ومحبذيه، ولا شك أن الرضا بالكفر كفر، والوسيلة تعطي حكم المقصد، وما لا يتم الكفر إلا به فهو كفر، ومن عزم على الكفر بعد خمسين عامًا فهو كافر من الآن، ولا يمكننا أن نفهم إلا أن هذا استحلال لما حرم الله ورد لما أوجبه سبحانه وتعالى.
وبعد فإن كان هؤلاء يعتبرون أنفسهم مؤمنين فليعلموا أن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، والحب في الشيطان والبغض في الشيطان من الكفر، وليس هناك ميزان صحيح لوزن الإيمان الصحيح غير الحب في الله والبغض في الله، وقد ورد في الصحيح أن: (المرء مع من أحب) ، فإنه لا يحبه إلا إذا كان بينه وبينه تشاكل في النفوس وتوافق في النزعات وتقارب في الاستعداد، وإلا وقع التباين فكانت البغضاء والمقاطعة.